الرئيسية / ثقافة وادب / نزيف .. قصة قصيرة بقلم/إيمان عبده

نزيف .. قصة قصيرة بقلم/إيمان عبده

فى تلك الساعة المتأخرة من ليلة شديدة البرودة تخطيتُ بقليل موقع عملى المترامى الأطراف فى بلدتى .ودون إذن منى تسلل الضجر إلى صدرى كعادته ,فبدأتُ أزفرُ من الروتين اليومى ,مشفقًا على الجسد الذى أرهقته ديناميكية الحياة …
وصلتُ عند الطريق الذى حفظته أقدامى ونظراتى يعتريها الوجل من مكان تعودتُ ألا أسمع فيه سوى نقنقة الضفادع وحفيف الشجر .
خطواتى مضطربة ,معبرة عن اضطرابات قلبى الخافق .جسدى جميعه ينتفض خوفًا وبردًا .الليلة حقًا ليلة فارقة معى ,فعلى مقربة من بداية ذاك الطريق المتعرج المنتهى بزقاق منزلى ,وجدتُ شعرها المموج شديد السواد كسواد ليالى الشتاء .
كانت تصدر أنينًا جعل قلبى ينزلق من صدرى ليقع بين أرجلى .أنين ضعيف كسير تصاحبه تنهيدات متقطعة وشهقات تحاول أن تذوب فى الكتمان .جلستها متكورة أشبه بجنين يأبى أن يفارق رحم أمه .ترتجف رجفة أظن أنها ليست بردًا ولكنها ألمًا .
حاولتُ التمالك فقد كانت ملامحها غير واضحة فى تلك البقعة السوداء .وجدتُ نفسى بين أمرين :أولهما ألا أهتم وأكمل مسيرتى ,وثانيهما الذى يقوده الفضول أن أقف لحظات أتبين أمرها .وقد غلب العقل المتمرد على المطيع ,فخطوتُ بعض الخطوات نحوها ووقفتُ على مقربة أمامها .كان أنينها كمعزوفة حزينة خرجتْ من أعماق موسيقى عزف على أوتار روحه قبل قيثارته .
لازال جسدها متقلصًا ,وفى كل شهقة يزداد تقلصه كمَن يبحث عن احتواء فلا يجد سوى بقايا جسده تأويه .
فضولى يقتلنى بأن اقترب أكثر إليها ,وأرجلى ثقيلة تقاوم المسير .لكنى حسمتُ أمرى وبخطوات وئيدة اقتربتُ ,فانتبهتْ لحالى …
رفعتْ عينيها بوهن والتفتتْ يمينًا ويسارًا ثم التفتتْ لوضعها البائس ,فحاولتْ تعديل هندامها ومسح عبراتها وسحب خصلاتها للوراء … نجحتْ بعض الشىء فى ذلك .كلانا فى تلك اللحظة حاول التفوه بالكلمات لكن الصمت ظل سيدًا وسائدًا .
بعد وقت لم أحسب تعداده ,أخرجتُ من بين شفتى فقط “ما بك؟”وكمَنْ ينتظر أن ينفجر بالحديث ؛لتخفف عنه أثقال روحه المنهكة ويتنفس الصعداء بعد مرارة حديث كالحنظل .وقفتْ وكنتُ أحسب أن قوامها قد اعتاد الانكماش ,وبصوت ممزوج ببقايا بكاء :”تحملتُ نهره المتكرر ومزاجه المتقلب وصوته الأجش ويديه التى تهوى كالسياط الساخن على جسدى الصامد …صمتُ وصمدتُ سنوات ولا زلت (وهى تنظر بحيرة إلى البناية المواجهة لنا )
لم تعطنى الفرصة ؛لأتبادل معها الحديث ,فقد كانتْ كمَنْ على موعد يتحركْ ذهابًا وإيابًا وتقطع أوصاله لحظات الانتظار ..
وفى تلك الإضاءة الخافتة التى تحركتْ نحوها راعنى حال يديها ورقبتها وقد اكتسوا بجروح متقطعة وخدوش متعددة .جئتُ أسألها عما حدث ,فلم تعطنى الفرصة كسابقتها وقد تبدل أمرها قائلة :”لقد أضاء غرفة ابنى حتمًا أنه استيقظ ولابد أنه جائع “.صمتتْ لحظة ثم تابعتْ :”لن يعرف كيف يطعمه وسيتركه بلا عشاء “وهى تذهب ْ وتجىء مفكرةً بصوت عال :لا …لابد أن أذهب وأطرق الباب .لايهم إن انتظرت وطرقت مرات متكررة ,سيفتح لى فى النهاية كعادته حين يفشل فى إسكات ابنى “.
كنتُ على وشك فتح فمى للحديث لكنها هرولتْ نحو البناية ولم ألمح منها سوى قدميها النازفتين اللتين قطعًا لم تلتفت لنزيفهما …ضربتُ كفًا بكف ,مكملًا طريقى ,مهمهًما ببعض الكلمات :”جميعنا يكمل طريقه رغم الألم ,رغم الجروح والنزيف لأجل ما يسكن فى الأعماق ويتخلل فى ثنايا الروح …ربما يكون شخصًا يهون علينا الصعاب “.
لم أشعر بذاتى إلا حين ارتميت على السرير ,مفكرًا فى مشاق اليوم وغدًا مبتسمًا بعد الآآآآه ,قائلًا :”لأجل ما يسكن فى الأعماق “ثم ذهبتُ فى سباتى …

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*