عاجل

انتظار

بقلم : إيمان عبده
فى تلك الساعة من ظهيرة صيف يلقى ببراثن حرارته على الأرض ،كانت أقدام العابرين تطوى الأرض طيًا سريعًا فلا مجال للبطء فى تلك اللحظات . ورغم سرعة المسير تطبع آثارهم على أتربة الطرقات .
المكان مكتظ كعادته واليوم لا يختلف عن سابقيه ،فلا يخلو من سندة الصغار للعجزة ومن زمجرة الرجال لنسائهم ؛ليسرعن الخطى لحاقًا بالقطار القادم .
الجميع ينتظر إعلان وصول القطار المميز ؛ليشحن لحوم هؤلاء المتكومين لأجله .ضجيج بائس وزفرات مكتومة تتأفف من الحرارة القاتلة وضغوط الحياة المنهكة .أقدام هزمها الوقوف ؛فجلست القرفصاء على الرصيف المتهالك من كثرة الخطى .آذان وعيون تترقب فى قلق وارتياب صدور صافرته القوية وزجزجة عجلاته على قضبانه هازًا القلوب والأبنية من حوله .
جلستُ بعد عناء فى البحث عن مكان يروقنى .كنتُ بحاجة إلى أن اتفحص وجوه من حولى .أرى فى قسمات وجوههم قدر معاناتهم ومعاندتهم مع الحياة …أيرون ما أرى فيهم من علامات العجز وتجاعيد الألم ؟!هزتنى هذه التى ترتسم عليها الحيرة وتشطرها إلى شظايا متناثرة تحاول لملمتها لتتابع المسير .
تنظر إلى ساعتها كل بضع ثوان ٍ .انتبهتُ إلى ساعتى ،لقد دقت الثانية إلا ربع معلنة أنه دقائق وسينتهى الانتظار .أما هى فنظرتْ نظرة أخيرة إلى ساعتها ثم هرولتْ قافزة نحو القضبان _عادة لا يفعلها سوى الصبية للذهاب إلى الجهة الأخرى _ لكن أمرها قد بدا مهلعًا لدى الجميع .لقد امتدت بطول جسدها على القضبان ،فتجمهر كل مَن ْ فى المحطة وتعالت صيحات النساء والرجال معًا :”ما بال تلك المجنونة …القطار قادم …ستموتين كافرة …”
هرولتُ نحوها كما فعل الجميع ،فوجدتها قد أرخت جسدها تمامًا وأغمضت عينيها مهمهمة بكلمات لم تتجاوز حدود شفتيها ثم وضعتْ يديها فوق صدرها لا تأبه بأى شىء من أحاديث مَنْ حولها .
جميعهم يتحدث ولم يملك أحدهم الجرأة فى القفز لسحبها .فقط كلمات تُلقى وشاشات تُفتح لتصوير الحدث .الآن الثانية إلا عشر دقائق لم يُعلن عن القطار بعد .قفزتُ نحوها وقد زاد قفزى من صياحهم :مَن ذاك المجنون أيضًا ؟القطار قادم …
اقتربتُ منها وبهمس :هل تركك حبيبك يا صغيرة ؟ فتحتْ عينيها ببطء وقد سقطتْ منها دموعها عنوة :أمثلهم تقول ؟ بهمس كالسابق :بل هذا المعتاد . اعتدلتْ والتفتتْ نحوى بصوت قطعت أوتاره الآلام والعبرات :”قل لى ما جدوى الحياة لجسد مزقته جرعات الكيماوى فى علاج ذاك المرض اللعين ؟!”
نظرتُ لحالى حينها وخجلتُ ،كان ردى بديهيُا :حذائك .عقدتْ حاجبيها المطفيين :”حذائي ” قلتُ :نعم ،حذائك ..إننا نمضى تاركين أثرًا خلفنا بأحذيتنا ،فهل تركتى لحياتك أثرُا طيبُا قبل المغادرة ؟
جاءت تنهرنى من فلسفتى البالية هذه لكنى قاطعتها :”جميعنا سيغادر ،جميعنا الموت فى انتظاره .تلك حقيقة لكننا نختلف فى الأثر والتوقيت .علينا أن نقابل كل شىء بابتسامة حتى الموت”
كانت حينها تنظر لى ببلاهة لكنى أثق أن كلامى هز مكنونها .دقت الآن الثانية ،فابتسمتُ لها قائلًا :”لم يُعلن عن القطار سيتأخر كعادته،لقد فشلت محاولتك ..عليكِ الانتظار ساعة “
نهضتُ فتبعتنى بلهفة بينما تفرق الجميع من حولنا إثر نهوضنا .قالتْ لى :”ياهذا…”أدرتُ وجهى نحوها منتظرًا حديثها .ترددتْ بعض الشىء ثم انسابت دموعها ثانية :”لكنى لا أرى لى أثرًا وأخجل أن أسير بين الناس حافية “ابتسمتُ لها ثم قلتُ :”فلتشعرين بذاتك ولتحبينها رغم ما فيها _رغم المرض_حينها ستجدين الحذاء المناسب لتحيي به الأثر …”هزتْ رأسها متفهمة ثم ساد الصمت بيننا .
إنها الساعة الثانية والثلث تم الإعلان عن تأخر القطار ووصوله بعد ربع ساعة أخرى .أشرتُ إليها وقلت :”فلتستعدى للقفز ثانية .لقد اقترب موعد القطار .هزتْ رأسها نافية ثم بخفوت قالت :”احتاج إلى منزلنا …ألقاك على خير “
عقدتُ كلا ذراعى أمامى مبتسمًا نحو السماء ، حامدا الله على إقتناعها ،أحاول تذكر كم من المرات حاولت فعل ما كانت تنوى فعله …يالها من حياة أتمنى ألا نكون فيها حفاة ،فنخجل من المسير ..
شردتُ لحظات إلى أن أيقظتنى رسالة تذكير وضعتها على هاتفى”اليوم الجلسة العاشرة لتلقى الكيماوى بالقاهرة “جززتُ على أسنانى :”تبًا للكانسر تسلل إلى خلايا مخى ،فمحى أجمل ذكرياتى “
نعق القطار . القطار قادم …ترددتُ فى النهوض .لكنى فى النهاية حسمتُ أمرى ونهضتُ مبتسمًا فى انتظاره …

عن محمد محمود أبوملك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*