عاجل
الرئيسية / ثقافة وادب / ناقوس الخطر

ناقوس الخطر

بقلم : إيمان عبده

نزل تلك البلدة البعيدة حين أعلنت بلاده مؤخرًا أن العالم قارب على الانتهاء لسلطة واحدة ،ولابد أن تكون أوطانه صاحبة هذا السبق العظيم ….وعند دخولها ارتفعت أصوات أسراب الغربان مع طيور العقبان ؛لتصدر صوتًا مزعجًا ،التفت إليه قاطنوها متعجبين من هذا النذير الشؤم عليهم ….

أراد أن يدلف الأراضي ؛لير ما آلت إليه أحوال البلاد منذ أن تركها أجداده ؛وليستشعر كيف سيتم القضاء عليها ….وفى طريقه بدأ يتودد إلى أهلها ,حانيًا على الصغار ،ماسحًا بيده على رؤوسهم ،ناشرًا البسمات للكبار …بدا كأب حاني في بلاد تفتقر الحب .

وعلى مقربة وجد جماعة يجلسون، يتحاورن فعلت أصواتهم، لازالت تعلو إلى أن انقلب أمرهم لشجار.نهض وولى قائلًا:”أرض طيبة وقوم سُذج “.

لازال يدلف ؛ليجد جماعة أخرى يصطفون لحين مرور موكب أميرهم ,فإذا به يظهر لهم ملوحًا بالأيدي من فوق عربته التي تقذف منها بعض اللقيمات ,وهم يركضون خلف العربة مهللين ومتسابقين في الفوز بما يُرمى ….فضحك ثم ولى مرددًا: “أجاعوهم فأطاعوهم …أرض طيبة وقوم سُذج ”

اتجهت أقدامه صوب الجهة الشرقية ؛ليجد بعضهم يفرون من كتب ومجلدات ضخمة محملة بالآلاف إلى فناجين يحملوها بين أيديهم ،مدققين النظر إلى ما فيها .وآخرون ينظرون في كفوف بعضهم البعض …اقترب متسائلا :”ما الخطب ؟”أجابوا:هذا ما اعتدنا عليه ،ندق الودع ،نقرأ الكف ،نعرف ما يخبئه الفنجان …..فنظر إلى الكتب وإلى الفناجين وأسر في نفسه كلماته المعتادة أمامهم …وبابتسامة حانية:”بوركتم فيما تفعلون “.

تابع مسيرته ؛ لتدق مسامعه كلمات صبى يردد بثقة :”صحراء جرداء ،ماؤها وفير وطلعها نضير “.فعجب من أمره واقترب منه باسمًا :”أتعي ما تقول يا فتى ؟!نظر الصبي إليه بزهو:”نعم, أحفظ كلمات معلمي عن ظهر قلب؛ لأنال رضاه “….اتخذ مجلسًا بجواره :”لكن أخبرني كيف لها بصحراء جرداء ,وماؤها وفير ،وطلعها نضير ؟!ألم تجادل معلمك فيما يقول ؟!
انتفض الصبي :أجادل معلمي ؟لن يحدث قط ,أجادله يعنى أنه مخطئ …وكيف لمعلمي أن تصبح كلماته خاطئة ؟! وهو يهز برأسه :”إن فعلت ذلك ،سيكون حتمًا هلاكي.. يا لك من رجل .

ربت الغريب على كتفه :”لا عليك صغيري ،أردت فقط اختبار قدراتك في الولاء والطاعة ،لقد اجتزتها بنجاح باهر “…جلس الصبي مرة أخرى ناظرًا إليه نظرة رضا قائلًا :”هكذا تعلمنا ،وما أروع ما تعلمنا .”ثم انكب على أوراقه .

ولى الغريب مدبرًا وهو يردد :”أرض طيبة ,وقوم سُذج “….سار كثيرًا متأملًا العقول الغائبة إلى أن استند على جذع شجرة ؛ليكتب رسالته وكان فحواها :”لا داع للوجل…لقد ضاعت العقول ،ارفعوا أصوات الطبول ،دقوا نواقيس الخطر ،فالنصر حتمًا لبلادنا “

عن محمد محمود أبوملك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*