عاجل

قدر

قصة قصيرة _بقلم :إيمان عبده
لحظات هى أقرب بالعرض البطىء والفن الصامت .كل شىء وكأنه يحبو أمام عيون الناظرين حين بدأت عجلات القطار تزج القضبان فى ثقل كبداية لأمره ..

كالعادة أمعنُ النظر من نافذة القطار إلى المناظر التى يبطىء فى عرضها ثم يطويها سريعًا بعجلاته .أسندتُ أوراقى بجانبى ثم أنزويتُ قليلًا بجسدى نحو اليسار ،فإذا بى ألمحها بطرف عينى …
استدرتُ بجسدى كله لأرى وجهًا تغرقه الدموع ويدين جاهدتين فى كتم شهقات البكاء بوضعهما على فمها .رأيتها وكأنها شخص أعرفه ،بل على يقين بأنى أدرك ملامحه تفصيلًا .
راعنى أمرها ،وجدتُ فى عينيها كسرة أيام مضت وسنوات عجاف مقبلة .نظرتُ دون حديث فى بداية الأمر ثم استدرتُ كما كنت ،فإذا بصوت خافت صدر من المقعد الخلفى لى لجسد ممدد دون أن أراه :”أرجوكى …لا …لا تبكى ”
التفتُ نحوها ثانيةً ،فإذا بها تجفف دموعها محاولة التماسك .سألتها بصوت خفيض :”ما الخطب ؟مريض ؟
أومأتْ برأسها وقد التفتتْ إلى كومة الأشعة والتحاليل التى بجوارها ثم قالت :”ازداد ألمه وذاهبة به إلى طبيبه “.

بنظرات مشفقة :”هل من أحد معك ؟”
بصوت متهدج ودموع ساقطة :”لا أحد …لا أحد غيره .”شعرتُ بحاجتها إلى سندة …سندة ترمم بعضًا من ضعف حالها وضعف جسدها .
أمسكتْ بيديه وبكلمات متقطعة :”لماذا …لماذا هكذا ،ينتاب يديك الس …السقيع ؟”ارتجفتُ لرجفتها :”فلترفعى قدميه على المقعد المواجه له ولتسقيه بعض الماء .”
بهمسات منه :أرجو…كى …لا ..تب..كى ،فلنرض بما يريده الله ..لابد أن نرضى بالقدر .

تسترسل فى البكاء :”لأجل أولادك .عليك أن تنهض وتًشفى لأجلهم .”
محاولًا ابتلاع ريقه والتقاط أنفاسه :”لله …لله …أمرهم كله بين يدى الله ..(وبحنو رغم ما به )لا تبكى ،أرجوكى .”

تترقبه وأترقبه معها وهى تمسك بيده تارة وتعدل من رأسه تارة أخرى .حينها وقف شاب مقتربًا :”هل من مساعدة ؟”أخبرته :”من فضلك بحاجة إلى عصير ،من الواضح أنه فى هبوط .”
حاولتْ أن تشربه إياه وهى تخبرنى بأنه لم يستطع الأكل منذ ثلاثة أيام .لم يستطع سوى امتصاص قطرات منه .

انتفضتْ ثانية وهى ترسل النظرات بينى وبينه وبقلب خائف:”لماذا …لماذا تسعل هكذا ؟ألم تشف من السعال منذ عهد ؟!” بأنفاس مضطربة منه :”بخير …لا تقلقى

ساد الصمت وقتًا لا أحسبه .القطار يمضى والوضع يسوء والدموع تنساب بغزارة وذاك الرجل الجالس خلفه يخبر الشاب أن أمره فى انتهاء …

أمامهما نحن جميعًا لا نملك من الأمر شيئًا سوى الدعاء …الدعاء لأجل جسد نخره الألم فأصبح هشًا هشيمًا ،وقلب اعتصره الحزن فأصبح نازفًا سقيمًا .
أمسكتْ بيديه وكأنها تخبره بحاجتها إليه أكثر من حاجته إليها الآن .تنتفض خوفًا فيتسلل ما بداخلها على عيونها وصوتها وحالها التائه …أما عن صوته يتهاوى ويختفى إلى حيث لا ندرى .

ثم ماذا ؟ثم انقطع كل شىء مما أراه حين وقف القطار فى المحطة التى أنوى النزول بها .وقفتُ مستعدة للنزول ،قائلة لها :”إلى أى البلاد تتجهين ؟ ردتْ بوهنٍ :”إلى أسيوط .”
بألم :”على النزول الآن ..هل من حاجة لك ؟”فشكرتنى بعيونٍ مودعة …

تحركتُ بخطواتٍ متثاقلة تأبى أن تتركهما ،ورأس يدور بأطروحات من الأسئلة :”هل لازال له حظًا من أنفاسٍ متبقية ولقلبها قسطًا من الهناء بوجوده جانبها أم أن كل شىء قد سُجلت نهايته ،معلنًا هذا هو قدر الله ؟”

مضيتُ وبداخلى مفهومًا عظيمًا للحب مدركةً بتلك اللحظات معنى كلمات “على طنطاوى “حين قال :”الحب أن تفنى هى فيه ،وأن يفنى هو فيها .ألا يفرق بين الحبيبين الزمان ولا المكان ولا الميول ولا الأهواء فيكون أبدًا معها ؛هواه هواها وميوله ميولها ويكون فى رأسه صداعها وفى معدته جوعها وفى قلبه مسرتها وأحزانها وأن تكون له ويكون لها ،وأن يدخلا معًا مصنع القدرة الإلهية مرة ثانية ويخرجا وقد صارا إنسانًا واحدًا فى جسمين اثنين …”

عن محمد محمود أبوملك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*