عاجل
الرئيسية / ثقافة وادب / العشق المبرور ..قصيدة وتعليق

العشق المبرور ..قصيدة وتعليق

كتب: عبد الباسط سعد عيسى

يقول الشاعر دعبل الخزاعي:

                    إني إذا قلت بيتًا، مات قائله             

                   ومن يُقل له، والبيتُ لم يمت 

واليوم نحن بصدد نص خالد، لن تفنيه الأيام والأحداث، كيف ذلك وهو مرتبط بالأم، بتلك الهمزة المقرونة بالميم، حرفان خفيفان على القلب والروح، يحملان الكثير من الحب والحنان والعطف وما شئت من عاطفة، “العشق المبرور” ليس لا جزاء إلا رضا رب العباد، فالعشق قوة غريزية لا حد لها، تسوق العقل والقلب معًا، ولا أحد يستطيع أن يوقفها، وهو مرتبة تفوق الحب والصبابة والشغف، وكلمة “المبرور ” تجذب كلمة “العشق” إلى براح الله، إلى الرضا والخير والعفاف.

والآن أترككم مع نص ” العشق المبرور” للشاعر / محمد القاضي على بحر الكامل وحق له أن يكون على الكامل:

ما زالت العشاق تذكر حبها
وتدور بين الحل والتحريم
يتهافتون على غرام حائر
في سحر ليلى أو مفاتن ريم
يرجون وصلا من حبيب هاجر
لا يعتريه ترحم بخصوم
حتى إذا فقد المحب رجاءه
وهوى بيأس قاتل ووجوم
أمسى يخط غرامه بدموعه
على ديار قد خلت ورسوم
——————————–
لكن حبي لا يحيد طريقه
عن منهج متعفف وقويم
فلقد هويت كريمة من أجلها
يتسابق النساك بالتكريم
قمر يجوب الكون يسطع نوره
فوق السماء وشمسها ونجوم
أنشودة في الحب ردد خلفها
عشاقها بالعزف والترنيم
أمل يزيح عن الحياة أنينها
إذا تلبد ليلها بهموم
————————
لما هممت بذكر حبي للتي
في البعد عنها ذروة التأثيم
جاء البيان يسوق في أجناده
يبدي الخضوع وغاية التسليم
فهي الهناء لمن توجع قلبه
وهي الشفاء لمبتلى وسقيم
وهي الرياض إذا الحياة تهيجت
راحت تلطف جوها بنسيم
من ذا يطيق لها فراقا إنها
سر الحياة ومصدر التنعيم
——————————–
سندي وإن غطت سمائي غيمة
راحت تزيل عن السماء غيومي
وأنيستي وجليستي ومعينتي
على نوائب دهري المأزوم
تلقي علي سواترا من حبها
تحميني من كيد الورى المحموم
في بعدها أمسي ضعيفا خاويا
مترقبا كالخائف المهزوم
——————————
حب تعاظم شأنه مستعصيا
في شرحه على حجا وفهوم
أطلقت فيه مقالتي ومشاعري
وجوارحي وسواكني وعمومي
ولقد دعوت الله يغفر زلتي
من أجله في روضة وحطيم
ورجوت فيه مع الوصال مثوبة
من الجنان وكأسها المختوم
وخشيت من بعد يفرق شملنا
قد عذت منه بحافظ قيوم
فالموت أهون من فراق حره
كطعان نصل أو كضرب حسوم
إن كان حتما أن أودع مهجتي
فتعجلوا بهلاكي المحتوم
فالعيش في ظل الحبيب تنعم
فيما هنا أوعالم معدوم
—————————-
لو تعرفون حبيبتي لم تنكروا
مني الرباط ببابها المعصوم
ما كل عشق في الحياة تسكع
بعض الغرام يليق بالتعظيم
بعض الهوى كالفجر ينشر نوره
بعض الهوى كالغيث والتسنيم
فتوقفوا أحكي لكم عن قصتي
أجلي لكم أمري وسر نعيمي
الحب كل الحب في أنشودة
من همزة مقرونة بالميم

وفي تعقيب قيم للشاعر والناقد أ/ عبد الرحيم قرشي أحمد  الموجه العام الاسبق للغة العربية  بديوان مديرية قنا للتربية والتعليم جاء فيه :

نحن هنا أمام شاعر مبدع تملكته مشاعر صادقة، وعاطفة فياضة متأججة في الحب والعشق، إنها أسمى عاطفة، وأصدق عشق لمن كانت سبب وجودنا في هذه الحياة.

إنها الأم، وأنه العشق المبرور، كما أسماه شاعرنا المبدع، حيث بدأ الشاعر أبياته يوازن بين حبين، حب للمحبوبة التي ينشدها الشعراء، يتغزلون في مفاتنها، يرمزون لها بـ (ليلى – سلمى – هند – مي – دعد..) ، وحب للأم ، التي هي المنهج القويم للحب ، والتي يتسابق النساك لأجل تكريمها، فهو ذلك الحب الذي يتعاظم شأنه، ويستعصي شرحه على أولى الألباب والفهوم .

لكن حبي لا يحيد طريقه           عن منهج متعفف وقويم

فلقد هويت كريمة من أجلها     يتسابق النساك في التكريم

لقد نجح شاعرنا المبدع ببراعة فائقة في تفصيل ذلك الحب العظيم، فهي القمر الذي يغطي نوره الساطع كل أرجاء الكون، وهي الأنشودة التي يرددها العشاق بالعزف والترنيم، وهي الأمل التي يزيح عنا آلام وهموم الحياة.

ياله من وصف رائع يبرز لنا منزلة الأم السامقة ومكانتها العظيمة، وفضلها العميم، لقد أبدع شاعرنا في تصويره الرائع الخصب في الإتيان بتلك الصور البيانية المتسلسلة في سياق موجز مذيل بالأثر والنتيجة، وذلك في الصدور التالية:

  • قمر يجوب الكون يسطع نوره

  • انشودة في الحب ردد خلفها       عشاقها بالعوف والترنيم

  • امل يزيح عن الحياة انينها

  • فهي الهناء لمن توجع قلبه

  • وهي الشفاء لمبتلى وسقيم

  • وهي الرياض إذا الحياة تهيجت   راحت تلطف جوها بنسيم

  • إنها سر الحياة ومصدر التنعيم

ويلحظ القارئ الفطن ما في هذه الصور من تدرج منطقي، ودقة في الوصف والتعبير. فهي القمر والقمر يرى بالعين للداني والقاصي، ولكنه قمر يجوب كل أرجاء الكون بنوره الساطع الذي يغشى السماء والشمس والنجوم ، ويالها من صورة بلغت ذروة الروعة والبيان وهي استعارة تصريحية حيث حذف المشبه وصرح بالمشبه به، وبها مبالغة مقبولة فالإحسان للأم والبر بها يأتي في أعلى منزلة، وأوصى به القران الكريم، وذكره بعد عباده الله جل جلاله، واخلاص التوحيد لذاته، قال تعالى ” واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا “(36 – النساء)، وتعكس لنا الصورة عمق ثقافة الشاعر الدينية، وصدق بره بوالديه، والاحسان اليهما.

 وتأتي الصورة الثانية ” أنشودة الحب” وهنا نقف أمام صورة تموج وتنساب فيها الأنغام والترانيم التي تسعد النفس وتطرب الاذن، وتعكس لنا هذه الصورة تأثر الشاعر بالانغام الموسيقية وما وهبه الله له من أذن خليليه تتذوق الموسيقى والالحان.

والتصوير في قوله ” سر الحياة ومصدر التنعيم ” صوره فيها من القوة والايجاز ما يبهر النفوس والعقول، وهي استعارة تصريحية حذف فيها المشبه وهو “الأم” وصرح فيها بالمشبه به وهو “سر الحياة”، وهي جملة اسمية تفيد تقرير حقيقة راسخة في عقل ووجدان كل ابن بار بأمه، وهي صورة موجزة في اللفظ لكنها تحمل الكثير من المعاني والدلالات التي تحتاج إلى كثير من الشرح والاطناب والتفصيل لبيان حقيقة ذلك السر.

وقد أشار شاعرنا المبدع إلى ذلك بقوله:

حب تعاظم شانه مستعصيا        في شرحه على حجي وفهوم

 أطلقت فيه ما قالته مشاعري    وجوارحي وسواكني وعمومي

 فلقد وضح لنا شاعرا المبدع سر هذا الحب، ونلحظ قدرته الفائقة في التعبير بصيغة الجمع في الكلمات (مشاعري – جوارحي – سواكني) وذلك للكثرة والتنوع، ويناسب ذلك مشاعره المتدفقة المتأججة في الحب والعشق لامه .

ومن أروع الصور النادرة التي في الحب والعشق وشدة التعلق والارتباط بالأم تصوير الشاعر لفراق أمه بفراق روحه لجسده، وهلاكه وموته المحتوم

 إن كان حتما أن أودع مهجتي      فتعـــجلوا بهـــــلاكي المــحتوم

ومما زاد هذه القصيدة قوة التأثير في نفوس القراء والسامعين لها تأخير ذكر من يحب ويعشق وعدم التصريح به إلا في اخر الأبيات وذلك للإثارة والتشويق:

الحب كل الحب فيه أنشودة …  من همزة مقرونه بالميم

يا له من ختام فني رائع آخاذ ، له أبلغ التأثير في نفوس وقلوب وأذان القراء والسامعين.

تلك ومضة على عجاله وخاطره جاشت بها عاطفتي، كل الحب والتقدير للشاعر المبدع (محمد القاضي)، أرجو أكون قد وفقت لما أردت، وإلا فالنقص دأب العاجز.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

Image result for ‫ست الحبايب‬‎

 

 

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*