الرئيسية / تحقيقات / قفط دجاجة تبيض ذهبا لمصر منذ فجر التاريخ

قفط دجاجة تبيض ذهبا لمصر منذ فجر التاريخ

 

13100671_1006446069436151_3871651915822413973_n

 

 

من أجل معرفة التراث القفطي القديم 13124542_1006445736102851_8511509727097604573_n
جريدة ( صدي قفط ) تلتقي بالدكتور / ابرهيم دسوقي محمود – عميد كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي :
العناويين :
– طريق ( قفط – القصير) دجاجة تبيض ذهبا لمصر منذ فجر التاريخ.
– ارتبط اسم مدينة قفط ( جيبتو ) بوظيفتها وهي ( بلدة القوافل )
– نمت مدينة قفط تاريخيا حول معبد ( الاله مين ) والذي ارتبطت نشأته بالأسرة الرابعة .
– (بقطر) ميناء قفط النهري القديم كان بمثابة الشريان التجاري لأهل المنطقة .
– اشتهرت ( قفط ) بصناعة الصابون وصدرته الي شتي البلدان في القرن الخامس الهجري .
– ( قفط ) كانت قاعدة اقتصادية طوال تاريخها القديم من خلال مخازن الذهب المستخرج من مناجم ( أم الفواخير ) بالحمامات .
مقدمه :
في اطار اهتماماتها بآراء المفكرين والعلماء والمؤرخين لمدينة (قفط )
تبدأ جريدة ( صدي قفط ) بسلسلة لقاءاتها بأبناء مدينة قفط الذين حرصوا علي توثيق التراث القديم للمدينة منذ فجر التاريخ ، وأول هذه اللقاءات مع الدكتور / ابراهيم الدسوقي – عميد كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي _ واستاذ الجغرافيا بالجامعة – وقد حرص أن يمد القاريء القفطي بمعلومات تنشر لأول مرة علي صفحات جريدتنا في البحث والدراسة التالية : ( مضمون البحث ) …….

تمثل كل من المرافئ النهرية بوادى النيل والموانى البحرية على ساحل البحر الأحمر أبرز الانعكاسات الجغرافية وأهم سمات المظهر العمرانى المرتبط بطريق وادى الحمامات طوال تاريخه الممتد من فجر التاريخ المصرى وطوال مراحله التاريخية اللاحقة ، فطريق الحمامات سواء كان الطريق الرئيسي ( قفط – القصير حالياً) والذى يمتد بين خطى طول (32.50 5-34.20 5 ) شرقاً ودائرتي عرض (25 5-26.10 5) شمالاً وهو الدرب الأقصر والذى يصل بين أقصر نقطتين بين مدن ثنية قنا “خاصرة الصحراء الشرقية” وساحل البحر الأحمر ، ثم الطرق الأخرى المتفرعة منه مثل طريق ” قفط – برنيكك (برنيس) خلال العصر البطلمى – الرومانى ثم قوص – عيذاب فى العصر الوسيط .
وبالنظر إلى مدن إقليم ثنية قنا من طيبة فى الجنوب حتى قنا شمالاً نجد أن قانون المدن المترابطة correlated towns يكاد ينطبق عليها حيث توارثت المدن الكبرى فى هذا الإقليم الأدوار فى تأدية وظائفها الحضرية كبوابات شرقية فكانت “نوبت (طوخ) ” فى مرحلة قبيل الأسرات إلى “جيبتو (قفط)” خلال العصرين الفرعونى والبطلمى – الرومانى ثم مدينة قوص خلال العصر الوسيط ، نهاية بقنا فى العصر الحديث .
تبادلت هذه المدن الأدوار فى الظهور على المسرح الجغرافى حيث كانت تزهر واحده لتتوارى الأخرى ولكن إلى حين حيث أن اختفاؤها لا يعنى اندثارها بل كانت تظهر فى بعض المراحل التاريخية الأخرى عندما تملك الإمكانات الجغرافية لذلك وهكذا دواليك ويعزو ذلك لإرتباط هذه المدن ببعضها البعض فى إقليم الثنية وارتباطها من ناحية أخرى بطريق الحمامات كبوابات شرقية .
وعلى الجانب الأخر من الطريق تعددت الموانى البحرية على ساحل البحر ما بين عصر لآخر فكانت “ساو” (مرسى جاسوس) خلال العصر الفرعونى وبرنيك (برنيس) وليكس ليمن (القصير القديم) خلال العصر البطلمى – الرومانى وفى العصر الوسيط ظهرت “عيذاب” وكأنها ميناء مصر الوحيد على البحر الأحمر ، ثم ورثتها القصير فى العصر الحديث ، وارتبطت هذه الموانى بنظيرتها فى وادى النيل عبر هذه الطرق التى كانت بمثابة الشرايين التي تضخ ماء الحياه فى هذه المحلات العمرانية حيث تحضرت بازدهار الطرق ومدى استغلالها وانزوت وتقزمت بانتهاء دور الطريق وهجرانه .
أولاً : المحلات العمرانية بوادى النيل
(المرافئ النهرية)
ارتبطت “نوبت” (طوخ) كمرفأ نهرى لطريق الحمامات خلال مرحلة قبيل الأسرات (4000ق.م) وكانت موضع “نوبت” على الجانب الغربى من نهر النيل فى مواجهة مدينة قفط وارتبطت بحضارة نقادة الثانية ولم تكن نقادة التى نسبت إليها حضارتى نقادة الأولى والثانية مركزاً حضرياً وإنما كانت مجرد جبانة لحاضرة الإقليم وعاصمته “نوبت” أى الذهبية نظراً لارتباطها بإقليم الذهب بالحمامات وكان اسمها يكتب فى المصرية القديمة بعلامة الذهب ثم سماها الأغريق “أمبوس” . (1)
اكتسبت نوبت أهمية حضرية وعمرانية من خلال موقعها بوسط ثنية قنا حيث ارتبطت بطريق الحمامات شرقاً والطريق المؤدى إلى الواحات فى الغرب واستطاعت أن تحصل على المواد الخام من كلا الاتجاهين فكانت الصحراء الشرقية مصدراً للذهب والنحاس كما انتفعت بمحاجر الأحجار الجيرية فى الصحراء الغربية ، واستفادت من موضوعها كمرفأ نهرى فى اتصالاتها التجارية شمالاً وجنوباً ، كما استغل سكان “نوبت” طمى بيئتها فى صناعة أنواع الفخار الجيد والتى كانت أهم صناعة فى المدينة لدرجة أن أطلق عليهم “الشعب ذو الفخار المزين” .
وفى خلال نقاده الثانية اتسع النفوذ الحضرى “لنوبت” وتوابعا وانتشرت تقاليدها الصناعية والفنية بين جيرانها النوبيين فى أقصى الجنوب واتسعت علاقاتها الخارجية حيث اتصلت ببلاد الشرق القديم وتوسعت المدينة فى صناعة النحاس حيث صنع منه الملاعق والمدى وبعض الأوانى الصغيرة مثل القدود والأزاميل ورؤوس الفؤوس . (2) تمثلت الأهمية الدينية لمدينة “نوبت” فى معبودها “ست” صاحب الأسطورة الشهيرة فى مصر القديمة ، حيث كان يمثل درب الصعيد كله مما يرجح معه أن مقاطعات الصعيد الأخرى اعترفت بزعامة “نوبت” وسيادة معبودها فى مرحلة ما قبل الأسرات .
ومما يؤسف له عدم توفر معلومات عن تركيب المدينة أو مورفولوجيتها حيث لم يتبق منها شيء إنما توفرت الإكتشافات عبر مقابر المدينة بنقادة والتى كانت تمثل جبانة ضخمة “لنوبت”وتوابعها وكانت نقادة تقع جنوبى المدينة بحوالى سبعة كيلومترات واتخذت مقابر نقادة هيئة دائرية أو بيضاوية الشكل وكان المتوفى يلف بجلد الماعز وأحيانا يكفن بالكتان ويوسد بحصير يلف به ، ولوحظ فى مقابر نقادة أن بعض منها كانت تضم أكثر من جثة واحدة ويصل أحياناً إلى خمسة جثث ويرجح تعدد الجثث داخل المقبرة إلى ازدياد الروابط الأسرية فى المجتمع وزيادة خبرة الفلاحين بحفر مقابر واسعة يمكن استغلالها لدفن أسرة كاملة . (4)
ويدعو موضع “نوبت” على الجانب الغربى من الوادى تساؤلات عن سبب اختيار هذا الموضع ؟
حيث يتركز العمران بإقليم ثنية قنا على الجانب الشرقى وذلك لاتساع الوادى إلى أكثر من 10 كم فى حين يضيق كثيراً السهل الفيضى على الجانب الأخر حيث موضع “نوبت” ، ولماذا لم ترتبط المدينة ببداية الطريق على الجانب الأخر من الوادى ؟
وفى تعليل لموضع “نوبت” على الهامش الغربى من وادى النيل يمكن القول أن مواضع استقرار مرحلة قبل الأسرات تركزت على هامش النيل والتزمت تخوم الوادى بمواضع يرتفع عندها خط الكنتور إلى (100م) فوق مستوى السهل الفيضى لذلك عرفت هذه المواضع باسم “محلات النقاط الجافة Dry points sttlements ” وذلك لاستغلالها الحواف المرتفعة كونها مصدر حماية من أخطار الفيضان بارتفاعها عن مستوى السهل الفيضى وفى نفس الوقت تضمن الاستمرارية الحضارية بقربها من الماء .
وقد تركزت مواضع قبيل الأسرات بجنوب مصر على الهامش الغربى للوادى وذلك بإقليم يمتد من أبيدوس فى الشمال حتى أرمنت جنوباً مروراً بهو والكوم الأحمر حيث بدأ المناخ يأخذ شكله الحالى من حيث الجفاف (6) ، ومن ثم أصبحت الصحراء منطقة طرد للجماعات القاطنة بها والتى اتجهت صوب وادى النيل متخذة مواضع استقرار بالقرب من مصدر ثابت للمياه فكانت “نوبت” وتوابعها إحدى ثمار هذه التحركات البشرية غربى الوادى ، أما خلال عصر الدولة المصرية الموحدة فقد شهدت أيضاً تحركات عمرانية ببروز مراكز حضرية جديدة .
مدينة “جيبتو” (قفط) :
تردد اسم مدينة “جيبتو” أو “قفط” فى النصوص المصرية خلال عصر الدولة القديمة وتوارى اسم “نوبت” وأصبح اسم “قفط” يتردد كثيرا كمحلة عمرانية مهمة تصدرت طريق الحمامات واحتلت مكانة نوبت فى وظيفتها التى اضطلعت بها خلال فترة قبيل الأسرات ، واستدمت قفط أهميتها من موضعها على رأس الطريق واكتسبت أهمية إدارية خلال عصر الدولة الموحدة باتخاذها عاصمة للمقاطعة الخامسة والتى عرفت باسم “نتروى Neterawi ” أى “الإلهان” وارتبط اسم المدينة “جيبتو” بوظيفتها وهى “بلدة القوافل” .
وقد انتقلت قفط من مرحلة الريف إلى عداد الحضرية من خلال وظيفتها الأساسية التى قامت بها كبوابة للتجارة الشرقية إلا أن العامل الدينى كان له دوراً لا يغفل فى تطور المحلة العمراني حيث كان معبودها الأكبر “مين” سيد الصحراء وحامى القوافل ورب السيول له أهمية سياسية ودينية كبرى منذ قبيل الأسرات حتى أواخر الدولة القديمة والملاحظ أن هذا المعبود انتشر نفوذه عند تلاقى المحلات العمرانية بالطرق الصحراوية الشرقية .
واكتشف فى أطلال معبد للإله “مين” بقفط تمثال للملك “ساحورع” أحد ملوك الأسرة الخامسة (2563-2423ق.م) مع الإله “مين” معبود قفط (9)، وفى ذلك دلالة على أهمية المدينة الدينية والحضرية من قبل فراعين مصر القديمة ، وبالرغم من أن للدين أهميته الخاصة فى نشأة ونمو المدينة المصرية بصفة عامة خلال العصر القديم إلا أن التجارة كان لها نفس الأهمية فى انتقال المحلة العمرانية من القرية إلى المدينة وينطبق ذلك تماماً على قفط التى جمعت بين العاملين (الدينى ، التجارى).
وقد حاول “كارل بوتزر” رسم صورة تقريبية للعمران بوادى النيل خلال مصر القديمة اعتماداً على المصادر والبقايا الأثرية المتاحة بالإضافة إلى سلسلة خرائط مقياس (100.000:1) ، فقسم المحلات العمرانية إلى أربعة أنماط اعتماداً على وظيفة كل محلة أو الأهمية التى يعكسها كل نمط من هذه الأنماط والتى تتشكل كالأتى :
1- المدينة : وتمثل عاصمة المقاطعة والمدينة الأولى بالإقليم وكان يغلب على وظيفتها التجارة والتوزيع وكذلك التسويق ومثلت أيضاً مركز العبادة لإقليمها بوجود المعبد بها .
2- المحلات الكبرى : وهى فى مرتبه تالية من المدينة من حيث حجم السكان أو الوظيفة وكانت مركزاً للحرفيين والمتخصصين أو مركزاً لإعادة التوزيع .
3- المدن الكبرى والصغرى : وتمثل محلات عمرانية بين القرية والمدينة وإن كانت الزراعة تمثل النشاط الرئيسي الغالب للسكان بها.
4- القرى : تشكل عماد العمران فى وادى النيل والأساس للمحلات العمرانية . (11)

وبتطبيق تلك الأنماط على مقاطعة قفط والتى كان ترتيبها الخامس جغرافياً إذ شكلت “آبو” المقاطعة الأولى جنوباً و “منتوت” الثانية والعشرين شمال الوادى ، وتشكلت المقاطعة الخامسة من مدينة كبرى وهى “قفط” عاصمة الإقليم وأحد المراكز العمرانية الكبرى واشتملت أيضاً على أحد المراكز العمرانية الكبرى ويحتمل أن تكون “جسى Gasy” (قوص) ، وأثنتان من المراكز العمرانية الصغرى مثل (Shen – Hor) (شنهور) ونوبت (طوخ) ، بالإضافة إلى ست قرى كبرى والعديد من القرى التابعة. .
أما حجم سكان المقاطعة الخامسة فقدره “بوتزر” بحوالى تسعة وثلاثين ألف نسمـة موزعين على مساحة تبلغ ثلاثمائة وإحدى وثلاثين كم2 ، أى أن كثافة السكان بالمقاطعة كانت بمتوسط مائه وثمانية عشر نسمه /كم2 أى ذات كثافة متوسطة مقارنة بباقى مقاطعات مصر العليا ، وبلغ طول الجبهة النيلية للمقاطعة أثنين وأربعين كم .
وطبقاً لدراسة “بوتزر” لمقاطعة قفط خلال العصر الفرعونى فقد اشتملت على مدينة كبرى وهى “قفط” عاصمة المقاطعة وسبعة محلات عمرانية أخرى تنوعت ما بين مراكز عمرانية كبرى وقرى ذات توابع متعددة ، أما حجم السكان فكان تسع وثلاثين ألف نسمة وعلى افتراض أن قفط وحدها استأثرت بحوالى 25% من حجم سكان إقليمها فيكون تقدير سكان مدينة قفط يقترب من عشرة آلاف نسمة مع التفاوت الزمنى ومراحل الازدهار وحالات الانتكاس التى تعرضت لها المدينة طوال العصر الفرعونى .
حافظت قفط على مكانتها الحضرية وأهميتها كبوابة شرقية خلال العصر البطلمى – الرومانى (332ق.م – 284م) وازدهرت خلال هذه الفترة “كوبتوس Coptos” وهو اسمها الذى عرفت به طوال هذه المرحلة ، وكانت خلالها المدينة “المشاعة لكل المصريين والعرب والهنود” أو “المدينة نصف العربية” حسب وصف استرابون ، وبلغت قفط فى العصر البطلمى (323-31 ق.م) درجة إنزوت معها كل مدن ثنية قنا حيث لم تكن “كينابوليس Cainpolis” (قنا) قد أخذت وضعها كمدينة كبرى ولم تلعب دوراً حضرياً داخل إقليمها سوى ارتباطها بالميناء البحرى الصغير “ميس هرمس” على ساحل البحر الأحمر ، وكذلك الحال “أبوللو Apollo” (قوص) والتى لـم تشكل سوى قرية صغيرة تابعة لقفط.
أما خلال العصر الرومانى (31ق.م – 284م) فقد وضعت قفط تحت إمرة ضابط يحمل لقب “ضابط برنيك أو قائد جبل برنيك Proefectus montis Berenice ” فكان يجمع بين العمل العسكرى والعمل الإدارى والمشرف المالى ، وأنيط به أيضاً الإشراف على المناجم والمحاجر وتأمين الطرق الصحراوية الممتدة فيما بين قفط وموانى البحر الأحمر ، (16) وأصبحت قفط فى خلال هذه المرحلة على رأس أكبر أقاليم مصر الإدارية وهو الإقليم الثالث ” إقليم الطبياد ” وهو يمثل مصر العليا.(17)
حافظت المدينة على مكانتها الحضرية طوال العصر الرومانى حيث اهتم بها الأباطرة والحكام مثل “تراجان” (98-117م) والذى نقش اسمه على صخور قصور النبات إحدى محطات طريق قفط – برنيك وأيضاً هادريان (117-138م) وأسرة أنطونيس بصفة خاصة . (18)
مورفولوجية المدينة :
تواجه الباحث فى دراسة المدينة المصرية القديمة دراسة تفصيلية أو ما يعرف فى جغرافية المدن حالياً “بالدراسة الموروفولوجية”(19) ، يمثل ذلك للباحث صعوبة شديدة نظراً لتغير شكل المدينـة كلية وتغير معالمها بسبب طبيعة مادة البناء (الطوب اللبن) والذى كان يمثل المادة الأساسية للمنزل المصرى القديم ومن ثم كان سريع الإندثار والتأثر بمختلف العوامل التى تسبب التدمير والإنهيار على العكس تماماً من مدن الأموات التى لا تزال شاهدة على اهتمامهم بها وببنائها من المواد الصلبة كالأحجار وغيرها.
وإن كانت هذه المصاعب لا تحول عن محاولة لرسم صورة تقريبية لشكل المدينة بناءً على ما توفر من معلومات ومصادر مختلفة يمكن أن تعكس النقاط التالية أبرز السمات المورفولوجية لمدينة قفط :
أولاً : أثر فيضان نهر النيل على اختيار موضع المدينة حيث مثلث التلال والأكوام المرتفعة المواضع الملائمة لنمو واستمرار المدن طوال العصور القديمة ، وفى ذلك السياق احتلت قفط ربوة مرتفعة على خط كنتور (75م) فوق مستوى سطح البحر .
ثانياً : نمت مدينة قفط تاريخياً حول معبد “مين” الذى توسط المدينة القديمة ولا تزال بقاياه ماثلة حتى الآن والذى ارتبطت نشأته بالأسرة الرابعة (2680-2650ق.م) والذى أعيد بنائه طوال المراحل التاريخية اللاحقة حتى العصر الرومانى وقد ازدادت المدينة نمواً واتساعا نتيجة لنمو النوايات أو الضواحى المتاخمة التى مالبث أن التحمت مع بعضها البعض لدرجة أن أقيمت معابد أخرى فى ضواحى المدينة مثل معبد إيزيس” والذى بنى جنوب شرق المدينة بحوالى (2.5كم) (بقرية القلعة حالياً ) والذى يؤرخ للعصر الرومانى وغيرها من البقايا الأثرية بضواحى المدينة .
ثالثاً : أخذت قفط الشكل الدائرى المرتبط بالربوة المرتفعة وساعد على اتخاذ ذلك الشكـل عدم ارتباط المدينة بجبهة مائية كنهر النيل أو غيره ، ويتسم هذا الشكل بأن منشآت المدينة تندمج فى كتلة واحدة متلاحمة “Compact” يحيط بها شارع رئيسى يعرف بداير الناحية و منه تتفرع الشوارع الصغيرة فى إلتواء حتى تصل إلى وسط المدينة حيث المعبد وما يحيط به من مؤسسات الإدارة ، وعلى ذلك يكون النمط المورفولوجى للمدينة يتسم بما يطلق عليه الخطة العشوائية أو العضوية “Organic plan”
رابعاً : شكلت المبانى الإدارية معلماً هاماً داخل المدينة مثل قصر الحاكم أو بيت المال وأهم هذه المنشآت فى قفط كانت “المخازن المركزية ” والتى كانت بمثابة مركز تجميع للمواد القادمة من الشرق عبر طريق الحمامات أو العكس وكانت تشغل حيزاً كبيراً خاصة بضاحية المدينة الجنوبية الشرقية وقد كشف حديثاً عن بقايا العديد من هذه المبانى فى ” بوصير قفط” (كوم المؤمنين) والتى كانت بمثابة النقطة الأولى للانطلاق إلى البحر الأحمر عبر قفط .
ومن المبانى الإدارية المهمة التى كانت بقفط إدارة للبعثات الخارجية والتى اهتمت بالتجارة الخارجية إلى بلاد “بونت” وكذلك إدارة خاصة للتعدين ويأتى على رأسها تعدين الذهب بأم الفواخير (20) ، وتركزت هذه المبانى بوسط المدينة محيطة بقصر الحاكم .
خامساً : تحكم المناخ فى شكل المدينة وتركيب المنزل وخاصة بصعيد مصر والذى لفت مناخه الحار إنتباه هيرودوت (450ق.م) حيث يذكر “الصيف الدائم يسود مصر العليا….”
وبدا أثر المناخ الحاد فى تجاور المبانى وتلاحم الكتلة السكنية للحد من سرعة الرياح الساخنة والمحملة بالأتربة من التوغل داخل المدينة ، بالإضافة إلى تقليل المساحة المعرضة لأشعة الشمس بقدر الإمكان .
انعكس المناخ على شكل شوارع المدينة التى اتسمت بضيقها لدرجة أنها تكون دروباً أكثر منها شوارع تكاد تكفى لمرور المشاة والدواب وتأخذ الشكل المتعرج لتتمشى مع طبيعة الكتلة السكنية التى لا تلتزم بحدود معينه أو خطة مقصوده وكان تعرجها عاملاً فى إعاقة الرياح المحملة بالأتربة والرمال أثناء فصل الخماسين ، وساعدت هذه الشوارع المتعرجة على الاحتفاظ بالهواء الرطب المتجمع بها أثناء الليل مما يساعد على تلطيف درجة الحرارة داخل المدينة أثناء النهار
سادساً : شكل الطوب اللبن المادة الأساسية للبناء وقد ساعد اللبن فى اتساع رقعة العمران حيث تحسنت صناعته كثيراً خلال عصر الدولة الوسطى ومنه صنعت كافة مبانى المدينة وظل سائداً فى عمارة المدن ولم يستخدم الطوب المحروق إلا فى المراحل المتأخرة ، أما الأخشاب فقد استخدمت فى صناعة الأبواب والنوافذ وشاع استغلال أفلاق النخيل وجزوع السنط فى الأسقف والسطوح كدعامات ، ومن أجل ذلك كانت المحلة ذات عمر محدود حيث كان الآجر واللبن والأخشاب المحلية ذات مدى محدود فى الإعمار والاستمرارية عبر الزمن ، فى حين استخدمت الأحجار الصلبة فى المعابد والمنشآت الدينية والمقابر ، ويلاحظ أن مبانى الموتى والمعابد حظيت بتنوع فى مواد البناء لم تنله باقى مدن الأحياء .
وأبرز تساؤل عن موضع قفط هو كيفية ارتباطها بنهر النيل حيث تبعد المدينة عن النهر بحوالى ثلاثة كم ، وقد كان أبرز سمات المدن التجارية القديمة مثل قفط كونها موانى تقع على النيل مباشرة وذلك لاستغلال النهر كشريان تجارى مهم ، ولم تدل القرائن الأثرية على موضع أو اسم ميناء قفط على نهر النيل خلال العصر القديم سوى ياقوت الحموى (1228م) الذى ذكر عن قفط “… ليست على ضفة النيل بل بينهما نحو الميل وساحلها يسمى بقطر …” فهذه هى الإشاره الوحيده عن ميناء قفط على النهر .
ومن المرجح أن يكون ” بقطر” ميناء قفط خلال هذا العصر الوسيط قد ورث موضعاً قديماً لميناء قفط خلال العصرين الفرعونى والبطلمى الرومانى ولكن تغيرات النهر عبر الزمن من تآكل شاطئيه بفعل التعرية المائية أو الإرساب والطمى فى حالات أخرى قد غير معالم ميناء قفط النهرى القديم ومن الممكن أن تكشف المخلفات الأثريه فى بموضع بقطر ( نجع البارود حالياً) عن الغموض المكتنف لموضع الميناء القديم.
وخلال العصر الوسيط انزوت قفط تماماً وتوارت لترث موضعها مدينة قوص كميناء نهرى وبوابة شرقيه لطريق الحمامات وتشير إلى ذلك المصادر وتؤكدها ويذكر الإدريسي خلال القرن الخامس الهجرى (11م) أن قفط “…. كانت مشهوره بصناعة الصابون …….. وأنه يصدر إلى إلى شتى البلدان ” .
ويلاحظ فى حديث الإدريسى عن قفط أنه يتحدث عن إزدهار ماضيها بقوله “كانت” ، ويقدم المقريزى لوضع كل من قفط وقوص بقوله “….ولمدينتى قفط وقوص أخبار عجيبه فى بدء عمادتها وما كانا فى أيام القبط من أخبارهما ، إلا أن مدينة قفط فى هذا الوقت متداعية للخراب وقوص أعمر والناس فيها أكثر …” أى أن المدينة قد تداعت وبدأت فى الخراب والإندثار من وجهة نظر المقريزى وإن لم تصل إلى هذه الدرجة حيث استمرت المدينة فى تأدية دور تجارى ولكنه لا يصل مطلقاً إلى الدرجة التى وصلها خلال المرحلة السابقة .
ويحدد الإدفوى (القرن الثامن الهجرى /14م) وهو يؤرخ لأدباء الصعيد تاريخ إنزواء مدينة قفط حيث يذكر “…..قوص بجانب قفط وحكى بعض المؤرخين أنها شرعت فى العمارة وشرعت قفط فى الخراب سنة أربعمائة (هـ) ….” .
وما أوردته المصادر عن خراب قفط بما تحمله الكلمة من إندثار وتدمير ليس له نصيب من الصحة حيث زارها عديد من رحالة العصر الوسيط (ابن جبير ، ابن بطوطه) وكتب عنها ياقوت والإدريسى وعديد من كتاب العصر الوسيط دونما إشارة لشيء من الخراب والدمار وإنما فقدانها لدورها المزدهر خلال العصور القديمة ، والمرجح أن هناك العديد من الأسباب التى جعلت قفط تتخلى عن دورها كبوابة شرقية وأهم هذه الأسباب والعوامل :
أولاً: فقدان قفط لأهميتها الدينية القديمة حيث كان قاعدة للمقاطعة الفرعونية الخامسة وعاصمة لإقليم الطبياد (مصر العليا) خلال العصر البطلمى – الرومانى ومركزاً لعديد من الآلهة القديمة (مين – إيزيس – حورس) فكان التقديس الدينى جعلها محور اهتمام الحكام ولا تزال بقايا المعابد تتخلل المدينة وتحيط بضواحيها حتى الآن وتنتمى إلى عصور متباينة من الفرعونى حتى الرومانى ، وفى نهاية العصر الرومانى حملت قفط لواء المقاومة القبطية ضد الاضطهاد الرومانى للمسيحية حيث كانت بها أسقفية كبيرة للأقباط مما حدا بالإمبراطور الرومانى “مكسيمان” إلى تدمير قفط تدميراً شاملاً ، ويعتبره البعض بداية النهاية للمدينة ولمكانة موضعها بصفة خاصة ، وخلال دخول الإسلام مصر وانتشار تعاليمه التى تنبذ الوثنية تماماً لم تنل المدينة أى اهتمام كسابق عهدها بل العكس تماماً أهملت بسبب فقدانها لعامل مهم جعلها فى بؤرة الاهتمام كونها مركزاً دينياً.
ثانياً : كان الموضع الجغرافى لمدينة قوص والتى احتلت مكانة قفط يرجح كفتها من حيث موضعها على النيل مما يجعلها ميناء نهرى أقرب إلى النيل من قفط مما يسهل عملية نقل التجارة من القوافل إلى السفن مباشرة حيث كانت قفط تبعد عن النيل بحوالى ميل على حد قول ياقوت الحموى بل ثلاثة أميال كما ذكر ابن جبير .
ثالثاً : من المعروف أن قفط كانت طوال تاريخها القديم مشهورة بما يسمى “ذهب قفط” حيث شكلت مخزناً للذهب المستخرج من مناجم أم الفواخير بالحمامات فكانت قاعدة اقتصادية مهمة ومع نضوب ذلك المعدن وعدم استغلاله خلال العصر الوسيط إنتفى عامل مهم كان دافعاً لاستخدام طريق الحمامات وبالتالى تقلص دور قفط كقاعدة اقتصادية لتخزين الذهب وغيره من موارد الصحراء الشرقية ، وبسبب ذلك كله وغيره إنزوت قفط تماماً وتخلت عن دورها لمدينة أصبحت من أشهر مدن مصر خلال العصر الوسيط وهى مدينة “قوص” .

عن صدى قفط

4 تعليقات

  1. تقمت بطلب للسيد اللواء عبد الحميد الدهشان محافظ قنا لزيارة السلخانة ومحطة رفع المجارى الموجودة أمام نجع الكرسة بقرية الظافرية بقفط وقد لبى سيادته النداء وقام بالزيارة خلال شهر 2015/6 خلال شهر رمضان وشاهد على الطبيعة التلوث البيئى والروائح الكريهه واميترتب عليه من تعرض سكان النجع من امراض خطيرة فطلب من المسئولين بنقل السلخانة ومحطة الرفع الى منطقة جبلية طرق قفط القصير ولكن حتى الان لم يتم تنفيذ قرار السيد المحافظ واتمنى من صدى قفط معاونتى فى تنفيذه د. محمد فكرى حفنى موسى قطامش وكيل وزارة سابق بالجهاز المركزى للتنظيم والادارة برئاسة مجلس الوزراء مع تنياتى بالتوفيق لكم جميعا

    • بالفعل فنحن فى جريدة صدى قفط تتبنى هذا الملف الخاص بنقل الساخنة والسوق خارج الكتلة السكنية وأرجو التواصل معى على الخاص أو على هذا الرقم01061178680

  2. بحد مقال روعة يادكتور والله احنا من قفط واول مرة أسمع بمكانه قفط العريقه،،،بارك الله فيك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*