عاجل

المرماح

حوار : عبدالباسط سعد عيسى

ذات عصرٍ في هذا الشتاء الذي حل قاسيًا هذا العام ، ألقيتُ جسدي المُنهك بعد يوم عملٍ مُجهد ، دقائق واقتحمتني أصوات المزمار البلدي ، تـقافـز حـولي أطـفالي بتساؤلاتهم  البكر عن تلك الموسيقى  ، خرجنا جميعًا للشارع نستطلع الأمر فإذ بالخيول تتهادي أمامنا بإتجاه الغرب ، فبالقرب منا وعلى بعد أمتار ليست بالقليلة  كان  ” المرماح ” ، حدث أعرفه جيدًا واشتقت إليه ، في كل عام تواكب إقامته المولد النبوي ، ولكن أطفالي برقت عيونهم للمشهد ، مئات الخيول تجري وتدور وترقص ، على أكتافي حملت صغيرتي والصبي في يدي وترجلنا لنصطف مع آخرين كُثر نستمتع بالمرماح ، دارت بخلدي الكثير من الأسئلة عن الخيل وصفاتها وحضرني  بيت المتنبي الشهير :

الخيل والليل والبيداء تعرفني               والسيف والرمح والقرطاس والقلم

15871140_10154956897892112_865506383_n

من مرماح قفط 2016

 فعلى قدر ما فيه من فخر إلا أنه يعطينا لمحة عن قدر الخيل عند الشعراء  والعرب بشكل عام  ، فتوالدت الأسئلة وصارت حملًا  ، وكالعادة أدركت أن الإجابات حتمًا سأجدها بيسر واستفاضة وشمول لدي المثقف الكبير أستاذنا الفاضل \ نور علي القفطي  .. فهو من ذلك الرعيل الذي تمسك بالكتب والمراجع الورقية كمصدر لمعلوماته بل ويحرص علي اقتناء الكتب في جميع المجالات ، لذا لا غرابة مطلقا أن أجد عنده كتاب عن أنساب الخيل و..

وكان لي شرف اللقاء معه حول الخيول …

15878284_10154956886037112_405589514_o

 

…………………………………. ؟

يقول العلامة الفيومي ” الخيل مؤنثة ولا واحد لها من لفظها والجمع خيول ، وهي حيوانات تمتاز بعظم الخلقة ، وقوة الأرجل وشدة الحوافر ، ويقال أنها سميت خيلًا لاختيالها في مشيتها ، ومنها “فرقة الخيالة ” والتي يقول عنها القلقشندي ” وهم رجال الجيش الذين يمتطون الخيول “

15878772_10154956882942112_708128230_n

…………………………………. ؟

نعم ، فقد أفرد العلامة ابن الكلبي مؤلفا رائعًا للخيل أسماه ” أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها ” والخيول المشهورة في الجاهلية والإسلام مائة وسبعة وخمسون فرسًا ، سوى خيل رسول الله – صلى الله وعليه وسلم – وهي خمسة أفراس   ( لزاز – لُحيف – المرتجز – السكب – اليعسوب ) .

15841854_10154956882292112_1075402790_n

…………………………………..؟

يقول المؤرخون أن العرب كانوا يقدرون الخيول ، لما فيها من العز والشرف بل كان العربي يكرم ويؤثر الخيل على الأهلين والأولاد ، ولم يزل العرب على هذا الفعل الجميل من حب الخيل ومعرفة فضلها ، حتى بعث الله نبيه فجاء القرآن الكريم  “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  “

فاتخد المسلمون الخيل وارتبطوها ، وحضوا على حسن معاملتها ، وقال عنها الرسول ” الخيل معقود في نواصيها الخير ”  ، وقد امتدح الشعراء الخيل وذكروا مزاياها في قصائدهم ، وللمزيد  يُطالع كتاب ” الأغاني ” و ” المعلقات ” و ” العقد الفريد ” وغيرها لنعرف مدى اهتمام العربي بالخيل .

…………………………………..؟

في الأدب الغربي ذكر ” حصان طروادة ” في ” الإلياذة ” وفي كتابات الأديب الفرنسي الكبير فولتير ، وللكاتب المبدع جاك بيرفير في مؤلفة ” حصان في جزيرة ” ، وفي مؤلفه الشهير ” الأساطير ” ذكر لاوفنتين الكثير من القصص عن الخيول .

5602152-trojan_horse_from_the_movie_of_troy-0

حصان طروادة

…………………………………. ؟

في الأمثال العامية

الحصان الهادي منتوف ديله

أي الحصان الهادئ الطباع لا يدفع عن نفسه الأذى ، بل يستكين ، ويضرب هذا المثل لكل شخص لين ، طيب الأخلاق ، لا يبقي له الأشرار شيئا ، من انتهاب ماله ، والتعدي على حقوقه .

” الخيال الزفت يرمح وسط النخل “

والمراد من هذا المثل الجهل ، فالذي يسوق فرسه وسط النخل ليس بالفارس الخبير بمواضع سوق الخيل ، ويضرب لم يضع الشئ في غير موضعه لجهله ، وقلة خبرته

“الفرس الأصيلة ما يعيبها جلالها “

الجلال : ما يوضع على ظهر الدابة ، والمراد من هذا المثل أن قيمة المء بنفسه وبعلمه وبأخلاقه ، لا بثيابه .

” أبصر من فرس “

أشأى من فرس ”  الشأو أي السبق والسرعة الكبيرة

أسمع من فرس

يرى العرب أن الفرس دقيق الحس ، بل ويسمع سقوط الشعرة التى تقع منه .

أشد من فرس

أعز من الأبلق العقوق

لأنه شئ لا يكون أصلًا ، وذلك لأن العقوق هي الفرس الأنثى الحامل ، والأبلق : هو الفرس الذكر ، فكأنه يقول : أعز من الفحل الحامل ، وذاك ما لا يوجد ويغرب لإستحالة حصول الشئ .

……………………………………؟

ذكرت الخيل في العديد من سور القرآن الكريم ، وأقسم بها وقال ” والعاديات ضبحًا ” ، وهي الخيل المغيرة وسميت ” الخير ” وسميت ” الصافنات الجياد ” ويقول عنها العلامة زكريا بن محمد القزويني في مؤلفه الشهير ” عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ” الفرس هو أحسن الحيوانات شكلا بعد الإنسان ، وأشد الدواب عدوًا وذكاءً ، وله خصال حميدة ، وله حسن الصورة ، وتناسب الاعضاء ، وحسن طاعته للفارس “

وبعض الفرس لا يبول ويروث ما دام الراكب عليه ، ومنها ما يعرف صاحبه ولا يُمكّن غيره من ركوبه .وفضلًا  عن ذلك ، فالخيل تستخدم في الحروب ، والتنقل ، والمسباقات والصيد ،نظرًا  لقوتها وسرعتها فهي أنبل الحيوانات على الإطلاق ، لذلك نقرأ في كتب التاريخ أن ملوك النوبة كانوا يولعون بالخيول ، حتى أنهم قد بنوا لها مقابر بجانب أهراماتهم ، وكان الحصان يعد حيوانًا ذا قيمة كبيرة وكانت الخيل تسمي ” الحيوانات الملكية ” على حد تعبير ” معجم الحضارات المصرية القديمة ” ، وفي العصر الحديث نجد كثيرًا من العائلات تتباهى باقتناء إحصنة السباق ، وهي عادة عربية توارثتها الأجيال جيلًا من بعد جيل.

……………………………………؟

هناك اختلافات كبيرة في العدد الحقيقي للخيول في العالم ولكن المُرجح هو العدد 85.7 مليون حصان في جميع القارات ، يتركز معظمها في قارة أمريكا الجنوبية

…………………………………..؟

الخيول منها الحمدانية والخيول الصقلاوية والطويسة والشويمة وغيرها ومنها العربي والهجين ، وأفضل الخيول هي الخيو العربية الأصيلة ، لجمالها ورشاقتها ، وحلاوة مشيتها ، وعذوبة صهيلًا ، وقوتها وشجاعتها وفي هذه يقول الشاعر “تأبط شرًا ” مادحًا حصانه :

ازج زلوج هذر في زفازف                          هزف يبذ الناجيات الصوافنا

أي أن حصانه  ، بعيد الخطو ، سريع العدو ، كثير الحركة  ، أسرع من الرمح ، يسبق الأحصنة الجيدة وهي ” الصافنات الجياد “

%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1_%d8%b5%d9%88%d8%b1_%d8%ad%d8%b5%d8%a7%d9%86_m1

…………………………………؟

المرماح ، أو مضمار السباق ، أو السبق هي كلمات تتداولها ألسنة الناس وكلها تطلق على مكان التقاء الفرسان في مسابقات تجتذب الصغار والكبار ، وقد كنا نشاهد المرماح خلال أيام الموالد وكان المزمار البلدي ملازمًا لهذه السباقات ، خاصة  وأن الحصان العربي يطرب للموسيقى ، ويؤدي حركات جميلة على أنغام المزمار البلدى لا سيما إن كان صاحبه فارسًا ماهرًا مدريًا خبيرًا بقيادة الخيول وكلمة المرماح اشتقت من الفعل رمح وهذا الفعل له دلالة السرعة الشديدة ، ويقول العلامة أبومنصور الثعالبي (350هـ – 429 هـ) ” إذا كان الحصان يضرب برجليه فهو رموح “

والمرماح له ذكريات عزيزة لدى أبناء الصعيد فد كنا نقضى أوقاتًا جميلة ونحن نشاهد مثل هذه السباقات الرائعة وأخيرًا فإن أسماء  الخيل من حيث الدرجات في السباق تسمي كالأتي :

  • السابق – المبرز – المجلى هو الأول في السباق

  • المصلى هو الثاني وصولا

  • المعفي أو المسلى

  • التالي

  • المرتاح

  • العاطف

  • البارع

  • المؤمل

  • اللطيم

  • السكيت أو الفسكل

    web_image_1419850418_241_medium

  • ………………………………..؟

الحصان المجنح  ( Pegasus )  حير العقول ، واختلفت الأراء في حقيقة وجوده ، فهناك الثور المجنح والأسد المجنح ،ويقال أنه  ظهر في  الميثولوجيا الإغريقية ، وله دور كبير في الأساطير ، وكان مطية للشعراء ، ويحكى في الأساطير أن الحصان المجنح ضرب الأرض بحافره فانبثقت نافورة “هيبوكريتي” التى أصبحت مصدرًا للإيحاء لكل من يشرب من مياهها وهي تعني ” نافورة الحصان” الحصان المجنح أخذته شركة ” Tistar ” لإنتاج الأفلام السينمائية شعارًا لها .

images

……………………………………..؟

الحصان وحيد القرن هو أيضا أسطوري وخرافي غالبًا على هيئة حصان أبيض اللون ذو قرن واحد ، ذكر في الأساطير الإغريقية  ، وكان بعض نبلاء العصور الوسطى في أوروبا يتخذونه شعارا ، وصورته علي هيئة جسم ورأس حصان وأرجل “آيل ”  ذكر الغزال ، ذو قرن ثابت في منتصف جبهته ، وذيل يشبه ذيل الأسد .

The fabled Unicorn Stag rears up in the afternoon sunset.

وفي الختام أتوجه بخالص الشكر للمثقف الكبير \ نور علي القفطي على هذا الحوار الماتع وعلى وعد بلقاء آخر .

 

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*