عاجل
الرئيسية / اخبار المجتمع / زمــن داعش والغبــــــراء

زمــن داعش والغبــــــراء

بقلم أ.د / محمد أبو الفضل بدران%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d8%a8%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%86

اتركوا لنا مصر فلدينا أزهرُنا الشريف وشيخه الأكبر الدكتور أحمد الطيب فلا نريد فتاوي تحضّ علي التكفير والتخوين والإقصاء وقتْل الغير، أيها الناس ارحمونا يرحمكم الله
مملكة الإنشاد المصري
تمتلك مصر أصوات مُنشدين كبار كالشيخ أحمد التوني الذي يحلّق في صفاء روحي نادر يشدّ المتلقي إلي عالم هادئ لا يشعر به إلا المحبّون؛ ومنهم الشيخ أحمد برين وهو ينشد:
تَمَلّكْتُمُ رُوحي وعقلي ومَسْمَعــي

وكبدي وأحشائي وكُلّي بأجْمَعـــي
وَتَيَّهتُموني في بديعِ جمـــالـــــــكمْ

فَلَمْ أدْرِ في بحْرِ الهوي أَينَ موضِعي؟
ولقد كان الشيخ ابراهيم البَخ يقود الحضرة إنشادا مدهشا، والشيخ عبدالحي والشيخ رفاعي، ويأتي سلطان المنشدين الشيخ يس التّهامي الذي نشر اللغة الفصحي في أرجاء الوطن العربي، ودائما أقول إن أم كلثوم والشيخ يس التهامي هما من أَوْصل الفصحي لعامة الناس، وصار الجميع يردّد مع أم كلثوم

أعطنــي حرّيّتـي أَطْلـــق يديّا

إنّني أعطَيْت ما استبقيْت شيّا
نقلَ الشيخ يس التهامي قصائد ابن عربي والسهروردي والحلاج والشيرازي والبُرعي إلي الناس فتلقّفوها بكل مستوياتهم الثقافية والتعليمية فانتشرت الفصحي بين الناس، وعلي نهجه يسير ابنه محمود التهامي.
وكم كان للكتاتيب المنتشرة في القري آنذاك دور كبير في تفصيح ألسنة الناس التي تحفظ الآيات؛ وتردد الأدعية الفصيحة مما أسهم في رفع ذائقة الجمهور اللغوية.
لقد حفظتُ ديوانَ ابن الفارض ومعظم قصائد الحلاج وابن عربي وعبدالرحيم البرعي – عندما كنتُ طفلا – من إنشاد الشيخ أبو بكر أحمد عطية ابن نجع العطيات بالقُرنة صاحب أرقّ الأصوات تأثيرا، وكم كان يدهشني بآلاف الأبيات التي يحفظها ويستشهد بها، ويكون في حال الإنشاد في وَجْدٍ ظاهر وغياب حضور أشد من الحضور وجودا؛ ومازلت أراه رحمه الله مُغمضا عينيْه حال إنشاده:
سَقَوْني وقالوا: متْ غراما بحبّنا

إذا شئتَ أن تحيا وتحظي بقُرْبِنا
فموْتُ الفتي بالحبّ راحةُ قلبهِ

إذا مات من حرِّ الصبابةِ والعَنـــا
فكمْ مِن فتًي أضحي وكَمْ من متيــمٍ

وكمْ من قتيـلٍ في الغرامِ بِحُبّنا
فمشروبُنا يحيا به كــلُّ ميّتٍ

ورضاؤُنا يشفي العليلَ من الضني
فيا لائمي في الحب دعني فإنني

جعلتُ لِمن أهواهُ قلبي مَسكنا
وقرّبني لمّا وقفــــتُ ببـــابـــــــهِ

وقــال: لك البُشري تَمَلَّ بقُرْبنـــــا
والشيخ العزَب أبوخليفة والشيخ عبدالعظيم أحمد محمد اللذان لم أعاصرهما، بيد أن ما يُحكي عن صوتيهما يجعلنا نتحسر علي ما ضاع من عدم تسجيل جمال صوْتيْهما، والمرحوم الشيخ الطيب الطاهر حسان صاحب أقوي حنجرة سمعتها وأرق مخارج ألفاظ وأدق الألسنة نحوا وفصاحة، وكان رحمه الله صاحب مدرسة خاصة في الإنشاد والجمال وأثّر كثيرا في الأجيال اللاحقة، وابن أخته الشيخ سيد عبدالعال والشيخ عبدالحافظ ابن الرياينة وابنه الشيخ قناوي والمقرئ الشيخ طايع ابن الحدادين والشيخ امبارك إسماعيل من كوم المؤمنين وكان صاحب أعذب صوت مؤثّرٍ سمعتُه، والشيخ أمين الحادي، وجاء بعدهم الشيخ عمر ومحيي وأبوبكر أبناء الشيخ امبارك اسماعيل وهم من أرقّ الأصوات وأعذبها أيضا، وكذلك صوت الأستاذ يوسف الطويل؛ والشيخ أحمد الراوي وجيل جديد تتَلمذَ سماعًا علي أصوات المُنشدين الكبار الذين عرفوا أصول الإنشاد فلا يُنشدون إلا في صفاء النفس وتخليصها من الأرق وتكاليف الحياة ليتخلصوا من ذنوبهم بالاستغفار، ومن أعباء حياتهم بالتحليق في عالم التخييل وملكوت الروح، قد تتفق معهم أو تختلف هذا حقك، لكنّ الناس في حاجة إلي ساعة صفاء،” رَوّحوا القلوبَ ساعة، فإنّ القلوب إذا َكَلّتْ عَمِيَتْ”؛ وقد ذَكّرَني الشيخ جاد أبوغاي في مديحه الصادق الصافي بأشعاره الملْهمة أن القوم ينشدون:
‬قُلْ لذي المُعْرضِ عَنّا
إنّ إعْراضَــك مِنّا
لَوْ أرَدْناكَ لأضْحي
كلُّ ما فيكَ “يُرِدْنا”
ومن الجيل الجديد الشيخ محمود سلامة وعماد الحادي، وغيرهما بالدلتا ومطروح وسيناء والصعيد، هؤلاء الذين ينتشرون في بقاع مصر في حاجة إلي دراسات علمية جادة، وأرشيف يجمع تراثهم فقد رحَل عددٌ كبيرٌ منهم قبل أن نُسجّل كنوز تراثهم الشفهي، نحن في حاجة إلي فريق عمل يجمع ما تبقَّي، وليس من المنهج العلمي التعالي علي هؤلاء وعدم الاعتراف بهم وبسماحتهم وعِرفانيتهم وجوّانيتهم التي حوت قلبا صار قابلًا كُلّ صورة، ونحن أحوج في هذا العصر إلي هذا القلب في زمن داعش والغبراء.
الأشجار الدينية
مِن الآن هناك شجرٌ مسلم وشجرٌ مسيحي وشجرٌ كافر، فقد غرّدَ الداعية الإسلامي محمد العريفي، أستاذ العقيدة بجامعة الملك سعود، في “‬تويتره” مُفتيا “‬ان شجرة عيد الميلاد تخصّ كريسمس العيد الديني للنصاري، رمز ديني كرمزية الصليب، لها قصة بعقيدتهم، لا يجوز تعظيمها وصنعها” وإن صحّتْ هذه التغريدة العجيبة فمعناها أن قضايا التصنيف والتمييز العنصري قد امتدت للأشجار والنباتات، وقد اعتاد العريفي بين الحين والآخر أن يأتي بفتاوي من أجل الشو الإعلامي؛ وإذا خلَتْ المملكة من المسيحيين في زمن سابق فإن مصر لم تخل من الأقباط الذين هم أخوال سيدنا إسماعيل أبو العرب وأشقاء السيدة ماريّة أم ابراهيم بن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولقد زرتُ قبر الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز بسوريا فوجدته مدفونا بديْر سمعان ولم يُنكر ذلك أحد، ولذا فالفتاوي التي تحضّ علي كراهية النصاري ومقاطعتهم ربما تكون قد وُضعت في أيام الحروب الصليبية فهي وليدة الأمكنة والأزمنة والأحوال التي وُضعَتْ فيها، وهي في حاجة إلي غربلة، فاتركوا لنا مصر فلدينا أزهرُنا الشريف وشيخه الأكبر الدكتور أحمد الطيب فلا نريد فتاوي تحضّ علي التكفير والتخوين والإقصاء وقتْل الغير، أيها الناس ارحمونا يرحمكم الله.
ولكلِّ المسيحيين في كل مكان وإلي البشرية جمعاء نقول لهم: كلّ العامِ أنتم بخير بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، جعل الله أيامكم أعيادا، ولكل إنسان في هذا الوجود أقولُ مهنئًا: “‬كُلُّ عامٍ بك أحْلي/ كلُّ عامٍ بكَ أجملْ”.
عامية الأبنودي هي الفصحي
عندما دعوتُ الأبنودي رحمه الله تعالي إلي أمسية شعرية بجامعة جنوب الوادي في عهد رئيسها الراحل الدكتور عرفات كامل رحمهما الله قال لي الأبنودي: “‬لا يُكرم نبيٌّ في قومه”وعندما حضرَ أبصرَ القاعة مليئة بعُشّاقه اعتذر وقال علي الملأ: “أنا قلت لأبوالفضل لا يُكرم نبي بين قومه لكن الواضح أني أخطأت” وبعد سِني غيابه أعتذرُ له وأقول له “‬زامر الحيّ لا يُطْرب، ولا يُكرم شاعر بين قومه” لأن وزارة التربية والتعليم اكتشفت بعد تمحيص أن أشعار عبدالرحمن لا تصلُح للتدريس في المدارس لأنها مكتوبة بالعامية!! يا سلام علي التعليل المضحك لأنهم لا يعرفون أن لغة الفصحي هي تطوّر عن لهجة قريش وغيرها، وأن القرآن الكريم هو مَنْ حفظ اللغة، ولم يقض علي اللهجات، ولم يأمر بذلك، وعاشت اللهجات متزامنة متزاملة مع الفصحي في كل العصور بل لم يعرف هؤلاء أن عامية الأبنودي أقرب إلي الفصحي، وأن قصائد كاملة منه لا تجد فيها سوي الفصيح ولا تجد من العامية إلا القليل الأقل الذي من الممكن إعادته لنسق الفصحي، كقوله: ما قاليش، كان عايز يقولي وما قاليش..
كتب الرسالة وما بعتهاش
زي الحزين اللي ما بكاش
ضيعتوا مني ورحت بلاش
كان عايز يقولي”
فهي “‬كان عايز يقول لي وما قال لي شيئا،،،” والتخفيف والحذف والإبدال وغير ذلك من خصائص اللغات جميعها، وتستطيع أن تفصّح بقية الكلمات حتي يقتنع الممنهِج الهمام.
يبدو أن هذ الحجة غير كافية، ولماذا لا ندرّس كتابه الفصيح “‬أيامي الحلوة”وهي حكايات بالفصحي الفصيحة البليغة في سرد مدهش أخَّاذ “‬ هل لأن الأبنودي الذي عبّر عن آمال الناس وآلامهم أصدق تعبير، وتغنت أجيال بأغانيه في النصر والهزيمة وفي أفراح الناس وأتراحهم ونال جائزة النيل لا تصلح إحدي قصائده لمنهج إعدادي أو ثانوي بحجة العامية، وكأنهم يتكلمون الفصحي ليل نهار، يا ناس عيب! أما القصائد المنتقاة للتدريس في مناهجنا وأسهمت في تنفير الطلاب من الشِّعر ومن اللغة كلها فلها حديث آخر.
قصر أمل دنقل وتَنْقيب المُنَقّب
هل كان أمل دنقل مُحِقا عندما قال: ” ‬سنةٌ تمضي/ وأخري سوف تأتي/ فمتي يُقبل موتي/ قبل أن أصبح – مثل الصقرِ – صقرا مُستباحا؟” تخّيَّلوا.. أمل دنقل لا يجد قطعة أرض بموطنه بمركز قفط ليُقام مشروع ثقافي عليها يحمل اسمه؛ فبعد أن جمعَ الناس قطعة أرض قال الأثريون لابد أن تُنَقّب فلربما تحوي كنوزا ومعابد وسردابا يؤدي إلي مغارة علي ماما، لأن غيره لم يترك في مغارة علي بابا شيئا، وسنوات مرّت نقّبوا فلم يجدوا شيئا وبعد أعوام طويلة طلبت الآثار إعادة التنقيب مرة أخري فرفضت الآثار، ولكن لماذا وقد نقبت من قبل، وربما خشوا من تدحرج التماثيل تحت الأرض، فمن يدري ربما لعب الملوك والملكات تحت الأرض »‬استغماية» فتدحرجوا جَرْيا وغَيَّروا أماكنهم، وجاء بعضُهم فاختبأَ في قطعة الأرض هذه، أو ربما جاء مغربيٌّ بارعٌ فأمر الجن أن تحرّك معبدا بعد التنقيب وأن تضعه في هذه القطعة، فهل نرجو الجن أن تخرُجَ من إصبع قَدَم قطعةِ هذه الأرض حتي نقيم عليها هذا الصرح ليثقِّف الناس أو أن الإنس سيقومون بتعطيل الأمر نيابة عن الجن حارس الرَّصَد؟
وقد كتب أهل مركز قفط مناشدين السيد الدكتور خالد العناني وزير الآثار والسيد اللواء عبدالحميد الهجان محافظ قنا سرعة بناء هذا الصرح الثقافي وتساءلوا : »‬لماذا يعطل العمل بمشروع ثقافي بقنا – قفط حيث إنه تم تعطيل إخراج قطعة أرض ملك هيئة الآثار بقنا – قفط وضمها للأملاك الأميرية لعمل مشروع خدمي وثقافي بها حيث إن :-
1- هذه الأرض ملك هيئة الآثار وتم عمل مجسات بها عام 1990- 1991 ومساحتها حوالي 11 قيراطا وتم السير في اجراءات إخراجها من عداد الاثار لضمها للأملاك الأميرية لاستغلالها في عمل مشروع عام لخدمة أهالي قفط وذلك عام 2010 وتمت مخاطبة منطقة آثار قنا بهذا الشأن وتمت مخاطبة الإدارة المركزية لآثار مصرالعليا وإدارة الأملاك بالقاهرة وتم استيفاء جميع الأوراق والخرائط المساحية المطلوبة من قِبل مجلس مدينة قفط (الجهة الطالبة) واستوفيت جميع الأوراق بمنطقة آثار مصر العليا.
2- المجسات التي تمت لهذه القطعة انتهت في أوائل التسعينيات واستمرت مواسم 1990-1991.
3- عندما كان الأستاذ أنس دنقل عضوا لمجلس الشعب بدائرة قفط في الدورة البرلمانية 2000 -2005 تمت كتابة طلب من أهالي المنطقة المحيطة بالموقع يتضررون فيه من وجود الحفائر في قلب الشارع وخارج سورالمنطقة الأثرية الذي تم انشاؤه بعد عمل هذه المجسات بعدة سنوات يتضررون من أنهم يتعرضون للخطر حيث يقع كبار السن والأطفال فيها نظرا لعمقها الذي يزيد أكثر من 3 – 4 امتار وتم تزكية الطلب ووافق الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار حينها الأستاذ الدكتور جاب الله علي جاب الله علي ردم الحفائر عام 2001 بمعرفة منطقة آثار قنا وتفتيش آثار قفط.
4- انتهت أعمال المجسات عام 1991 واستمر الموقع محفورا لعام 2001 أي أكثر من 10 سنوات لذا كتب الأهالي يطبلون ردمه تجنبا للمخاطر ولامتلاء المجسات طيلة العشر سنوات وأكثر للمياه الجوفية وللمخلفات والذي بالطبع أثَّر تأثيرا سلبيا علي الموقع خاصة أن ما يوجد بالموقع الذي تم جسه جدران من الطوب اللبن.
5- توجد مخاطبات عديدة من أكثر من السادة:- وزيرين للاثار ووزيرين للثقافة ووزير التنمية المحلية ومحافظ قنا بالتبادل مع المسئولين بالمجلس الأعلي للآثار جميع هذه المخاطبات للسير في إجراء إخراج هذه الأرض للصالح العام وليس لمصلحة شخصية.
6- تمت الموافقه من وزارة الثقافة علي إنشاء قصر ثقافة للشاعر الكبير أمل دنقل بمحل إقامته بقفط ومخاطبة وزارة الآثار بشأن هذه القطعة وتم اعتماد مبلغ مالي للبدء في العمل وللأسف الموضوع متوقف حتي الآن.
7- بعد كل هذا الوقت والجهد والمخاطبات والسير في إجراءات ضم الأرض للأملاك الأميرية لعمل مشروع ثقافي وخدمي للجميع تم تشكيل لجنة من المجلس الأعلي للآثار بالقاهرة أتت للمعاينة علي الطبيعة في شهر 8 /2016 ولم تستمع إلي أحد ولم تر جميع هذه المكاتبات وقراريْ ردم الحفائر عام 2001 والمخاطبات العديدة من عام 2010 حتي الآن ولم تر شيئا سوي تعطيل الإخراج دون إبداء أسباب قوية ولصالح من؟ الله اعلم وهذا يعد إهدارا للمال والوقت والمجهود فهل من المعقول بعد 26 عاما من الانتهاء من المجسات بالأرض وردمها بعد 10 سنوات بقرار من الأمين العام للمجلس الأعلي للاثار وعدم ضمها داخل السور الذي تم انشاؤه ليحيط بالمنطقة الأثرية بقفط تعطل هذه اللجنة الأخيرة الإخراج؛ لـذا نرجو من سيادتكم التفضل والتعاون نحو إخراج الأرض لعمل المشروع الثقافي الذي سيخدم الجميع ليس مصلحة شخصية بقدر ما هو خدمة للجميع وأيضا فتح تحقيق عاجل وشفاف في هذا الموضوع لمعرفة المتسبب في هذا التعطيل” 
مختتم
قال عبدالرحيم البرعي:
فؤادي بالأحبّةِ ما تَهَنَّي
وقلبي حينَ زادَ الوجْدُ أَنَّ
ذكَرْتُ أحبّتي وديارَ أُنْسي
وراجَعتُ الزمانَ بهمْ فَضَنّ

عن محمود سلامه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*