الرئيسية / دنيا ودين / هلاَّ جعلتموها صلةً، ولكم الثواب العظيم؟ !!

هلاَّ جعلتموها صلةً، ولكم الثواب العظيم؟ !!

بقلم الدكتور/ حسن صلاح الصغير%d8%af%d8%af%d8%af%d8%af

أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر

مكابدة الإنسان في الحياة الدنيا – ولا سيما في طلب الرزق ولقمة العيش- كثيراً ما تغير أحواله وتبدل طباعه، فتذهله عن جميل ما فطر عليه من الحب والعطف والشفقة والغيرة والإيثار، حتى نحو أقرب الناس إليه.
وكلما صعبت الحياة وزاد التسابق المحموم والتكالب على الدنيا ومطالبها، كلما ظهرت على ساحة العلاقات الاجتماعية مفارقات غريبة، يصعب على الناس أنفسهم تخيلها أو تصور وقوعها من أحدهم إذا لم تكن أحوالهم على النحو الذي هم عليه.
وعلى الرغم من أن متعلق هذا الأمر لا ينطوي في بعض أحواله على مخالفات شرعية – بفعل حرام أو بترك واجب – في الواقع ونفس الأمر، إلا أن له دلالة مؤلمة محزنة على أحوال الناس وعلاقاتهم في هذا الزمان الصعب.
تخيل نفسك من القائمين بتدريس الفقه في المساجد أو في معاهد إعداد الدعاة، وبعد الفراغ من درس الزكاة جاءك من يسألك سؤالاً سهلاً، إلا أنه ذو دلالات مؤلمة مؤرقة عن علاقاتنا الاجتماعية، فماذا أنت قائل؟!
ماذا تقول في سائل يسأل عن حكم دفع زكاته أوصدقته إلى أخيه الشقيق – قليل الدخل كثير العيال- وعن أنه يتحرى عدم إظهارها له في صورة الصدقة وإنما في صورة ملابس للأولاد أو مصروفات كتب أو دروس خصوصية لهم، أو في أكلة لحم يرم بها عضمه هو وأولاده في المواسم؟!
بالطبع ستقول له: لا مانع من ذلك شرعاً؛ لأن نفقة أخيك الشقيق ليست واجبة عليك، بل إن أخاك الفقير المسكين هذا هو أولى الناس بزكاتك وصدقتك، ولك في صدقته ثواب مضاعف، ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم، وبأن ما يفعله لكي لا يحرج أخاه وأولاده خير وحسن، وقد تسوق له على ذلك نصوصاً شرعية من الكتاب والسنة.
لكن إذا سالته- على سبيل النصيحة- فقلت له: ما دام هذا الفقير هو أخوك الشقيق، وأولاده كأولادك، فلماذا لا تتعاون معه على تربية أولاده وإعاشتهم بأن تصله من حر مالك على سبيل صلة الرحم، وتجعل الزكاة للمحتاجين من الفقراء والمساكين، ما دمت في سعة من أمرك.. ففاجأك حينها بقوله: إن الله تعالى قسم الرزق لكل منا فجعلني غنياًّ موسراً، وجعله فقيراً محتاجاً، وأنا محتاج إلى أن أطهر مالي وأحظى بثواب الصدقة، وأما أن أدفع له إعانة أو صلة فأولادي أولى بذلك، والحمد لله أن زكاتي وصدقتي له صحيحة.!!!
– وماذا تقول في سائل – هو موظف مستور الحال، وعضو في لجنة الزكاة بجمعية من الجمعيات الخيرية – يسأل عن حكم ما تأخذه والدته الفقيرة المسكينة من صندوق الزكاة، وهل تدخل والدته فيمن يحرم عليه دفع الزكاة لهم باعتباره عضواً في اللجنة؟!
بالطبع ستقول له: ما دامت والدتك من المستحقين للزكاة بوصف الفقر أو المسكنة، فلا حرج في أن تأخذ من صندوق الزكاة، لكن بشرط ألا تكون زكاة مالك من جملة أموال الصندوق؛ لأن نفقتها واجبة عليك شرعاً!!
لكن إذا سالته – على سبيل النصيحة- وهل ما تنفقه من مالك الخاص على والدتك لا يكفيها؟! فيجيبك بأنه يقوم بمساعدتها بقدر الإمكان، ولكنها أي معونته لا تكفيها!!
فإذا قلت له: وهل دخلك لا يكفي إلا لدفع تلك الإعانة البسيطة لوالدتك المسكينة؟! فيقول: لا .. الحمد لله. .. ولكن كما تعلم الأولاد ومصاريفهم والأسرة وكذا وكذا ووو…؟!!
– ماذا تقول في مواقف متكررة بمثل السياق السابق ، لكن مع اختلاف في الأشخاص وجهات القرابة، فهذا يسأل عن الصدقة على أخته الأرملة ذات اليتامى، وذاك يسأل عن الصدقة على أخيه القعيد المعوق ذي البنات الصغيرات، وهذا يسأل عن الصدقة على ابنته المتزوجة بفقير ومعهما أرطة عيال- إي والله ابنته- وهذا،وهذه، وذلك وتلك..ماذا تقول في كل ذلك؟!!
– على الرغم من أنه لا مخالفة شرعية في أكثر تصرفات مثل أولئكم الناس، إلا أنك تتعجب معها من هذا الزمان الذي جعل الناس يستقلون بحياتهم عن أمهاتهم وآبائهم وعن إخوتهم وأخواتهم على هذا النحو، وكيف بهم يستسيغون إنزال ذويهم الذين ربوهم أو تربوا معهم في حجر واحد منزلة الفقراء المساكين آخذي الزكاة، وكيف بهم يضنون بصلتهم، فلا تطيب أنفسهم إلا بصدقة أو زكاة موسمية؟!!
أي نخوة هذه التي قتلتها الدنيا في نفوسنا فجعلتنا نأبى إلا أن نفعل ذلك؟!
وهل إذا وضعنا أنفسنا موضع أولئكم المساكين الفقراء من ذوينا فكانوا هم الأغنياء المعطين، وكنا نحن الفقراء الآخذين، ثم خيرونا بين أن يدفعوا لنا من مالهم بصفة الصدقة وبين أن يدفعوها لنا بصفة الصلة أو الهدية، فأيهما كنا سنختار، بحكم الطبع والفطرة أوبمقتضى كرامة النفس وجبر الخواطر؟!!
وأي غبن هذا الذي وقعنا فيه، فجعلنا نعتقد بأن صلة الرحم أقل ثواباً من الصدقة؟!!
ألا قاتل الله الأنا … ألا قاتل الله حب المال .. ألا قاتل الله الفقر.
وختاماً.. فإنني لم أملك حيال كل هذه المواقف التي تعرضت لها ولأمثالها إلا أن أقول للسائلين فيها: هلا جعلتموها صلة؟ هلا جعلتموها صلة، ولكم الأجر والثواب العظيم؟!!
وفي الكتاب والسنة فصل الخطاب في أن صلة الرحم بر وعبادة وقربة هي من أعظم القرب وثوابها من أعظم الثواب. !!
نسأل الله تعالى أن يستر برحمته عيوبنا، وأن يجبر بفضله كسرنا وضعفنا وأن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل.

عن محمود سلامه

تعليق واحد

  1. بارك الله فيكم معالي العلامة فضيلة الأستاذ الدكتور حسن صلاح فأنتم كالغيث حيثما حل نفع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*