عاجل
الرئيسية / اخبار المجتمع / لماذا ذهب مسيحيو العريش للكنائس؟

لماذا ذهب مسيحيو العريش للكنائس؟

بقلم أ.د/ محمد أبو الفضل بدرانابو بدران

لقد رأينا كيف تحوّل الانتماء للدولة إلي انتماء لمذهب أو لحزب أو لجماعة أو لقبيلة مما أضعف الولاءللدولة، فهل ننتبه لما هو قادم؟
لماذا ذهب مسيحيو العريش للكنائس؟ متي تحلّ الدولة محل القبيلة والحزب والكنيسة والجماعة؟ المواطنة ليست شعارات وليست كلمات بل هي سلوك فردي وجمعي، ولذا فكَّرتُ في أسباب خروج الإخوة المسيحيين من ديارهم في العريش، وتفرقهم في محافظات القناة، هل هذا مخطط الداعشيين تتمة لمقترح الكونجرس الأمريكي لبناء الكنائس، ثم تشريع حماية الأقليات! وننسي أن الاستعمار في القرن الماضي تسلل لمصر من باب حماية الأقليات! وعلي هذا فكان من المتوقع مقاومة هذا المخطط ووأْده في حينه، ومساعدة أشقائنا الفارين من القتل والتهديد الداعشي لهم، لكن المستغرب هو نزولهم فور وصولهم بالكنائس، وكان من المتوقع أن يذهبوا إلي ديوان المحافظة الذي يمثّل الدولة، وكان أحري بكل محافظة أن تفعّل إدارة حلّ الأزمات وتستقبلهم علي مشارف المحافظة لا سيما أنها علمت بتوجههم إليها وبأعدادهم وكان من الواجب توفير مساكن لائقة لهم وصرف إعانة عاجلة وتدبير أمور وظائفهم ومراحل تعليم أبنائهم وعلاجهم وغير ذلك، ولا يُتركون فرادي ليتوجهوا إلي الكنيسة بديلا عن الدولة، فالكنيسة مكان عبادة لا بديلة عن الدولة، فبهذا نُحمّل الكنيسة أعباء الدولة والأخطر أن يتحول انتماء المواطن الدنيوي للدولة إلي انتمائه الدنيوي والديني للكنيسة؛ ولقد رأينا كيف تحوّل الانتماء للدولة إلي انتماء لمذهب أو لحزب أو لجماعة أو لقبيلة مما أضعف الولاء للدولة، فهل ننتبه لما هو قادم؟ إن مقومات ثقافة الدولة أن يتحول الانتماء القبلي إلي انتماء للدولة.
البني السطحية والعميقة بمصر
بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011 التي شغلت العالم وضربت مثالا رائعا في سلمية الثورات وفي خلال 18 يوما (25 يناير-11فبراير) استطاع المصريون ولاسيما الشباب أن يخرجوا في مليونيات لم تحدث من قبل في تاريخ مصر المعاصر. وقبيل الثورة وفي أثنائها دعت قوي إلي عدم الخروج علي الحاكم، بينما ترددت قوي في انتظار معرفة المنتصر ثم دخلت في الثورة، بينما انتظر البعض معرفة النتيجة ليحدد الكفة الراجحة لينضم إليها!.
في المقابل رفع الشباب في أثناء الثورة شعار: “ارفع راسك فوق أنت مصري”‬ وبعد ثورة 30 يونيو لم نجد مُنَظّرين يعملون علي تعميق الانتماء ووضع إطار علمي لفلسفة الثورة يشرح للمواطن العادي الذي خرج في 30 يونيو أهدافَ الثورة وما بعد الثورة، فنجحت الثورة في تحقيق أهدافها الآنية لكنها لم تصل لتحقيق أهدافها المعنوية العميقة، ربما يبدو برنامج تأهيل الشباب نواة لحزب قادر علي سد الفجوة بين السياسي والشباب بحيث يفهم الشباب ما يحدث ولماذا يحدث وكم يكلف ومتي سنجني الثمار؟
لقد نجحنا في وضع دستور لكننا لمَّا نستطع وضع خارطة طريق للشباب ليفهم مستقبل مصر بعد الثورة.
هنالك شباب لا يعرف معني الديمقراطية مثلا ويراها رجسا من أعمال الشيطان، ويري الليبرالية كفرا كما دشَّنها قادته، ألم يهاجم المهندس عبدالمنعم الشحات، في 14 سبتمبر 2011، ما أطلق عليه الديمقراطية التي تقوم علي “‬أهواء الشعب”، و”منع شرع الله”، وقال الشحات: إن تلك الديمقراطية ستؤدي إلي كوارث، فمن الممكن أن نجد هذه القوانين تبيح الخمر أو تحرم الزواج للإناث الأصغر من 18 عاما، أو تبيح إقامة عبدة الشيطان حفلاتهم في أفخم الفنادق دون أن يتعرض لهم أحد لأنهم (لا يضرون بالصالح العام)، كما يقول الليبراليون، منوهًا إلي أن ما احتوت عليه وثيقة الأزهر بعدم مخالفة الحرية للتقاليد سيجعل القضاة لا يستطيعون الفصل في الكثير من العادات المحرمة، لذا فالأفضل ألا تخالف الحرية الشريعة.”
وهو كلام قد يبدو براقا وظاهره الرحمة وينطلي علي فئة من الشباب، لكنه نسي جوهر الديمقراطية القائمة في جوهرها علي الشوري وتخيَّل أشياء لا تمت للواقع بصلة، والغريب أنه لم يجد حينها من يجابهه، لماذا لا نقيم حوارا مع شبابنا في الجامعات وفي مراكز الشباب حول البني العميقة وليس البني السطحية؟.
لقد ذهبتُ بقافلة ثقافية فنية إعلامية ضمت شبابا يخاطب شبابا إلي جامعات المنيا وعين شمس وأسيوط وسوهاج وأسوان ونطق الشباب دون خوف فأثبتوا تعطشهم للحوار والمناقشة، وجسارة طرحهم وتشتت المفاهيم لدي بعضهم، فهل نجد برنامج حوار الشباب في مراكز الشباب والأندية الرياضية والمدارس والجامعات أم أننا سننتظر من يملأ العقول بتحريم الوقوف لتحية العلم وتحريم الديمقراطية والانتماء للوطن؟ ودائما أكرر: العقل كالكوب يكتسب لون المشروب.
“‬تَدويخ” طالب دكتوراه
في احدي زياراتي لألمانيا زرتُ سجنا أُعد قبل سبعمائة عام لتعذيب المسجونين، وصار اليوم متحفا يري فيه الناس ما كان يعانيه المسجونون، وكان من وسائل التعذيب “‬لف داير” علي الموظفين ليبدأ من الأول فيوقّع له علي ورقة ثم يمضي حتي يصل للآخر ثم يرجع للأول من جديد وربما هذا ما نفعله مع الطلاب العرب الذين يرغبون في إكمال تعليمهم بالجامعات المصرية علي حسابهم أو منحة من دولهم، هؤلاء يلاقون العذاب بدءا من معادلة شهاداتهم وهذا شئ مطلوب لكن الشئ غير المطلوب طلبات أخري غير منطقية مثل شهادة من سفارته أنه سيتعلم علي نفقته الشخصية فإن أحضرها طلب منه الموظف الآخر أن يوثّقها من خارجية بلده، فإن وثّقها طُلب منه أن يوثقها من خارجية مصر، فان أنجز هذا وذاك طُلب منه أن يعود لسفارة بلده حتي يضيف علي شهادة السفارة المدون بها أنه سيتعلم علي حسابه الشخصي جملة “‬ولن تتحمل السفارة أيه نفقات!!” وهكذا فإن الأمر يستغرق أعواما متتالية، وأذكر أنني عندما كنتُ أعمل بدولة عربية شقيقة كان طلابي وطالباتي بالدراسات العليا يرغبون إكمال الماجستير والدكتوراه بالجامعات المصرية فنراسل الجامعات المصرية التي غالبا لا ترد، فإن ردَّت فلن ترد إلا بعد موافقة الأمن التي تتأخر شهورا فلماذا لا نقبله وإن بدا أنه ليس طالب علم فقط رحَّلناه بعد محاكمته، لأننا كنا نرسل طلبا لدولة شقيقة أخري فتردّ في اليوم التالي بفاكس القبول فيذهب الطلاب إليها وربما يحصلون علي الماجستير في هذه الدولة قبل أن تأتي موافقة الجامعات المصرية. سيقال إننا لابد أن نتثبَّت وهذا حق، لكن التباطؤ ليس من حقنا، فهؤلاء مصدر دخل للعملة الأجنبية وهم سند قوة مصر الناعمة، وأذكر أن أحد سفرائنا بالخارج قال لي: إنني عندما أزور أية وزارة أو مؤسسة أعرف مَن درسَ بمصر من ترحاب عيونهم، فهل يعقل موظفونا هذا الأمر؟ وهل يعرفون أنهم يرغمون الطلاب علي الذهاب بعيدا عن مصر بعد أن كان من الممكن أن يكونوا سفراء مصر في الخارج. لقد ودَّ طالب نابه تونسي أن يسجل معي رسالة لنيل الدكتوراه لكن منذ عام يحاول أن ينهي هذه الأوراق البيروقراطية ولكنهم يتلقفون شهاداته بغية تعقيد الأمر عليه لا تسهيله، فهل أطمع من الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن ينظر في هذه اللوائح والقوانين ليغيّرها ويسهل الأمر لسرعة قبول هؤلاء الدارسين قبل أن يهربوا، ويرتاحوا ويرتاح مُعَقّدوهم ؟ وتضيع علي مصر المكانة والدولارات؟
يا ناس: لم يتبق لنا من قوة معنوية سوي التعليم والثقافة، وهما يتآكلان، فلا تضيّعوا ما تبقي!
معركة البارود بمركز قفط
في 1799 أرسل نابليون قائده العسكري ديزيه بأسطول حربي مكوّن من 12 سفينة حربية للقضاء علي المقاومة في الصعيد، وكانت السفينة “‬إيتاليا” تتقدم السفن الحربية بقيادة القائد موراندي وقد لقيت مقاومة كبيرة في أثناء مرورها بصعيد مصر، لكن المقاومة الكبري لقيتها في نجع البارود التابع لقرية العُوَيْضات بمركز قفط بمحافظة قنا حيث خرج الأهالي الذين كانوا مستعدين ومنتظرين هذه المواجهة لكن بأسلحة تقليدية أمام الأسلحة الفتاكة والقنابل والمدافع الفرنسية، لكن المصريين لا يخافون إلا الله.
هاجموا السفن الفرنسية واستولوا عليها وأفرغوا شحنتها من الذخائر علي شاطئ نهر النيل ثم نزلوا إلي الماء حتي وصلوا إلي السفن واستولوا علي السفينة إيتاليا، فأمر موراندي بإطلاق كل الأسلحة ضد الثوار المصريين لكنهم لم يتراجعوا حتي أصابوا موراندي وأشعلوا النيران بالسفينة التي فجرت البارود الذي حمله ليحرق به المصريين وترنحت السفينة التي هوت بمن فيها في قاع النيل ليسجلوا أعظم انتصار علي هذه الحملة الظالمة، ويموت موراندي متأثراً بجراحه، ويَقتل المصريون جميعَ الجنود الفرنسيين الذين كانوا علي ظهر سفن الأسطول الفرنسي. كانت خسارة الفرنسيين في هذه الموقعة خمسمائة قتيل وهي أكبر خسارة مُنيت بها الحملة الفرنسية علي مصر، في مقابل مقتل وجرح عشرات المصريين، وتكون هذه الموقعة بداية النهاية للاستعمار الفرنسي بمصر. لقد اختير هذا اليوم الثالث من مارس عيدا قوميا لمحافظة قنا.

ولي أن أتساءل: إذا كانت هذه السفينة قد غرقت كما أجمعت مصادر التاريخ وربما كان المكان معروفا فلماذا لا نشكل فريق بحث علمي يحدد مكان غرقها ويبحث عنها وننتشلها لتصبح متحفا بقرية البارود وشاهدا علي هذا الصمود والتحدي، كما أن هذه القرية “البارود” في حاجة إلي رعاية تعليمية وصحية حتي ينعم الأحفاد بصنيع أجدادهم، ولي عتاب فقد كانت المحافظة والأهالي يقيمون حفلا سنويا بالبارود ولكن منذ سنوات اختفي، وأذكر أنني عندما كنت تلميذا حضرتُ هذا الحفل صغيرا وألقيتُ فيه قصيدة من تأليفي أتذكر مطلعها:
هيَ البارودُ مفخرةُ الأنامِ
        فهاتِ الخمرَ واشربْ من مُدامِ
إذا ما حُرِّمتْ خمرٌ علينا
        فخمرُ الحبِّ ليْسَتْ من حرامِ
تعالَ أيها الساقي وأسْكِرْ
         قري قفطٍ بتاريخٍ هُمامِ
ففي البارودِ دارتْ حربُ حقٍ
         وجالَتْ خيلُنا ورَمَتْ سِهامي
أيا بارودُ أعشقُ فيكَ وحْيا
         يقولُ الشِّعرَ يأتي في المَنامِ(…)
وقد ألقيتُ هذه القصيدة فوق منضدة أحضروها حتي يراني الجمهور لصغري آنذاك، وتقدم مني محافظ قنا آنذاك محمد ذكي عبداللطيف مسلما ومشجعا سائلا: من أين؟ فأجاب العمدة محمود شوقي: من العويضات فمنحني المحافظ خمسة جنيهات مكافأة علي شعري وكانت هذه أول مكافأة أحصل عليها من الشعر.
تحية إلي البارود وإلي صعيد مصر الذي حارب المستعمرين وانتصر عليهم ومنحني أول مكافأة.
 كراس أبي
منذ فترة لفتت نظري الرسومات والكلمات المكتوبة علي كراس طلابنا ودفاترهم، مثل صور كونان ومصارعين ومصاصي دماء وزومبي وصور شاكيرا ومادونا، وغير ذلك، واليوم وقع في يدي كراس أبي رحمه الله عندما كان في المدرسة في الأربعينيات، وأول ما تلحظه جودة الأوراق وجمال الغلاف وحُسْن الخط، وعلي الغلاف الأخير مكتوب بخط النسخ الجميل:
“‬وزارة الإرشاد القومي
    كلنا سيّد في ظل الجمهورية
    الاتحاد قوة والنظام إيمان، والعمل فريضة واجبة
    عظماء الرجال كانوا تلاميذ مثلك، فلماذا لا تجتهد لكي تكون رجلا عظيما؟
    لا ترهق أباك بما يعجز عن أدائه
    أطع والديك فإن طاعتهما من طاعة الله
    الوطن ينتظر الكثير منك، فتسلّح للمستقبل بالعلم والخلق.
    تجنّب رفيق السوء فإن مخالطته مفسدة
    اجعل للرياضة نصيبا في برنامج يومك.
   مختتم من أشعاري:

أرجوحةُ ظلٍّ يا وطني..
         هذا زمنٌ لا يصلح زمنا..
إني أتساءل: أيّ الأسماءِ لديكَ أيا وطني..
         هذا زمنٌ يحيا فيه الناس بلا أسماءْ
فاخترْ اسمك
         واحفرْ اسمك في كفك
لا تُسلم كفّك للغير فقد تصبح يوما
          وتصافح أحداً.. لا تبصر كفك
فاخترْ اسمك
          لا تتركْ قومك يختارونه..
فسيفني جسدك وسيبقي اسمك
          فلماذا تفني “‬أنت” ويبقي ما اختاروه؟!
لا تتركْ ظَّلك يمشي خلفك
          قد تخطو يوماً يعتدل الظلّ ليُسْلم رأسك للسياف،
فقطّع رأسَ الظل وكوّْنْ منها مقصلةً للسياف!!
هذا زمنٌ يتواري فيه الرجل بظلّ النملة كي يبحث عن وطنٍ مفقود
عن قدسٍ كان ينام بطيات ملابسنا..
هذا زمنٌ يولد فيه الطير بلا أجنحة ليعيش عبيدُ الأرض..
وهذا زمنٌ تقرأ بالعين اليمني حرفاً تبصره باليسري حرفيْن..
تصحو كي تبصرَ وجهك في المرآة فتلمح وجهيْن
فتحسّسْ وجهك كل صباح
وتأكد أنك تمشي فوق اثنين !!
وتأكد أنّك -يا وطني- حيٌّ..
أو أنّك بيْن الْـ “‬بيْن”؟!

  • نقلاً عن جريدة الأخبار “يوميات الأخبار” يكتبها أ.د/ محمد أبو الفضل بدران

عن محمود سلامه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*