الرئيسية / اخبار المجتمع / مـوسـم الهــجــوم عـلى الأزهـــر

مـوسـم الهــجــوم عـلى الأزهـــر

بقلم أ.د/ محمد أبو الفضل بدرانابو بدران

نحن في حاجة إلي “تجديد الخطاب الدعوي” الذي لا يترك الزوايا والمساجد الصغيرة لمفتيين يأخذون أطفالنا منذ المهد إلي طريق التشدد
للهجوم مواسم؛ مرة يهجمون ومرة يهادنون، وكلما حدثت حادثة تذكروا الأزهر فإذا ألحد ملحد فالأزهر هو المسئول واذا حُطّم تمثال بوذا فالأزهر هو المسؤل، وإذا نام عامل المزلقان فالأزهر هو المسئول لأنه لم يعلمه الإخلاص، ونسوا أو تناسوْا أن الأزهر له تاريخه المشرّف؛ فهو الذي قاوم الاستعمار وكانت شرارة المقاومة تنطلق من رحاب الأزهر، وكم كان الأزهر هدفا أراد الأعداء القضاء عليه فاجتمعت قوي الاستعمار والرجعية والتخلف والتشدد ضده، لكن أن ينفعل ممثلو الانفعالات ضد الأزهر فهذا شيء ملغز، وعندما لا يجدون سببا للهجوم يقولون: شيخه صوفي وينسون أن مفجر كنيسة طنطا كان هدفه حرق مقام سيدي عبد الرحيم القنائي بقنا، بل إن عدد الأضرحة والمقامات والمزارات التي أحرقها داعش وأخواتها يفوق العشرات إن لم يكن المئات، وعلي هذا فالهجوم علي الأزهر يتلاقي فيه المهاجم مع الداعشي دون أن يقصد؛ فكلاهما يستهدف الأزهر، وقد سافر عدد من أساتذة جامعة الأزهر منذ الثمانينيات إلي بعض الدول الشقيقة وعادوا بمذاهب متشددة وفتاوي قديمة صلحت في بيئات وأزمنة مغايرة، لكنها لا تصلح اليوم، كالفتاوي التي قيلت في عصور الحروب الصليبية أو في أثناء اضطهاد المسلمين في الأندلس أو في أثناء الحروب ضد الروم حيث كان الهدف منها إرهاب العدو، جاء هؤلاء فبشروا بالمذاهب الوافدة المتشددة، لكنهم قلة يحاول الأزهر قص أجنحتهم، وقد نجح مع معظمهم وبقي القليل كما في معظم أجهزة الدولة، لكن الخطر الأكبر هو الدواعش والقواعد والنواصر والمذاهب المتشددة الذين تركوا العدو واتجهوا للجهاد ضد المصريين، وما أحري أن نفكر لماذا لم يقم الدواعش والقواعد والنواصر والجواهد بأية عملية لتحرير القدس كما يغنّون دوما، إلا إذا كانوا قد عقدوا سرا اتفاقية مع إسرائيل كاتفاقية السلام التي عقدها السادات وقتلوه بسببها.
لماذا الهجمة علي الأزهر وشيخه الجليل؟ لأن الإمام الأكبر لم يقدر منع الإرهابيين كما يزعمون؟ هم يمتلكون جامعة الدول العربية كلها فماذا فعل العرب بها لمحاربة الإرهاب؟ هل يعرفون أن المتهمين في القضية الأخيرة المتصلة بالكنائس لا ينتمون للأزهر ولم يتعلموا في معاهده ولا في جامعته.
يحتاج الأزهر إلي غربلة مناهجه؟ نعم، وقد بدأ في ذلك، يحتاج إلي متابعة العالم؟ نعم وقد أنشأ المرصد، يحتاج إلي تطهير علمائه من المدسوسين علي الأزهر؟ نعم، وقد بدأ.
لقد أورد الدكتور عمرو الشوبكي إحصائية أود أن نتأملها قبل اتهام الأزهر “‬المفارقة أن من بين عشرات الآلاف من العناصر الجهادية والتكفيرية الذين تخرجوا في التعليم الحكومي (يقدرون بثلاثين ألفا منذ السبعينيات وحتي بدايات هذا العقد) كان بينهم حوالي 10 فقط من خريجي المدارس الأزهرية في مفارقة قد تجعل البعض يتأني قليلا في حكمه علي الأزهر ويتوقف عن هذه اللغة التي تدمر كل أعمدة هذا البلد”
نأتي إلي هدف البعض إزاحة الشيخ الطيب من منصبه، وهذا شيء سيؤثر علي الدولة لأنه سيضرب الأزهر وهو الكيان المستهدف من أعداء الدولة، ولن يجدوا شيخا خريج جامعة السّربون يحلّ بساحته مشكلات عويصة، ويذهب إلي ألمانيا وفرنسا ليخاطبهم ويحاجهم، ومَن تابع أثر الزيارتين عالميا يجد تفرد هذا الشيخ وذكاءه وعلمه، ثم يذهب إلي الكويت وقد تزامن حضوري أحد المؤتمرات بوجود فضيلته بالكويت وحضرتُ محاضرته العالمية في المسجد الكبير بالكويت، ورأيت كيف يجلّونه، وهل نسوا الوثائق التي أصدرها عن المرأة والديمقراطية وغيرها؟ لن يجدوا مثله حتي لو أعدّوا مَن يخلفه، وإذا وجدوا فلن يعوّضوه.
لقد كاد أن يُقبّل أحدُ الأذريين في أذربيجان يدي عندما كنت في مؤتمر بباكو العاصمة لأني من مصر بلد الأزهر، وحكي لي أحد الأصدقاء أنه سافر إلي كازخستان وأن أحدهم قال له بعد أن سلّم عليه: إنه لن يغسل يده أياما لأنها صافحتْ عالما من بلد الأزهر، وكلانا لم يدرس بالأزهر علي الإطلاق.
لا تضيّعوا هذا التاريخ ولا هذا الرجل، ولا هذا المكان ولا هذي المكانة.
من أين جاء هؤلاء؟
هل كان أحد يتخيل أن قري محافظة قنا تنجب داعشيين يتبنون أفكارا متشددة تودي بحياتهم – وهم أحرار بحيواتهم – لكن هذه الأفكار امتدت لقتل الأبرياء وأصابت الوطن بصدمة تجاوزت حدَ الدهشة ليطلّ السؤال الأوحد: مِن أين جاء هؤلاء؟ ومع إيماننا بمبدأ “‬المتهم برئٌ حتي تثبت إدانتُه” يبقي الشارع القنوي يردد “‬ أنهم يعيشون بيننا”، ولمن لا يعرف التركيبة القبلية لمجتمع قنا فإن محافظة قنا تتكون من قبائل العرب والأشراف والهوارة والجعافرة، بجانب أشقائنا المسيحيين، وهي قبائل عريقة كبقية أبناء مصر في كل محافظاتها، أسهمت في بناء مصر ولاسيما في بناء السد العالي وحفر الترع والمصارف وبناء بنية مصر الأساسية، ولا توجد عائلة ولا قبيلة من هذه القبائل المذكورة إلا وقدمت شهداء في معارك 67 والاستنزاف و73 ومعارك الإرهارب الدموي الذي تدفع مصر كلها ثمنا باهظا لمواجهته وهي تري أبناءها يعودون جثامين طاهرة، لكن لم يدر بخلد أحدنا أن هؤلاء القتلة يعيشون بيننا، والجامع في هذه الأسماء المتهمة أنهم ليسوا فقراء وبعضهم يعمل بوظائف تدرّ دخلا مرتفعا، كما أن معظمهم متزوج ويعول، وأنهم ضدّ التصوف، وينتمون إلي مذاهب متشددة، والجامع الأشهر بينهم غياب “‬التنوير” في عقولهم لضحالة ثقافتهم وعدم وصول المنتج الثقافي لغذاء عقولهم التي بدت كما أردّدُ دوما “أن العقل مثل الكوب يكتسب لون المشروب” وإذا قيل إن معظمهم ينتمي لقبيلة واحدة فهذا كلام مردود عليه إن الجرائم مثل اعتداء حتشبسوت بالأقصر والاعتداء علي أتوبيس سياحي بمدينة قنا قبل أعوام نفّذها أبناء قبائل أخري؛ فالموقف الآن ليس تبرؤا ولا مفاضلة ولا تشفّيا، فالوطن في خطر والجميع مدان، وما بين القبائل من احترام متبادل ووطنية يكفي للتلاحم لدرء هذا الخطر الذي أري أن جامعاتنا السبع في جنوب مصر عليها الدور الأكبر في الوصول إلي هذه القري والنجوع بمشعل التنوير، والتنوير في أبسط تعريفاته هو”‬ إعمال العقل بمعزل عن تأثير الغير عليه “‬ لأن هذين الشابين اللذيْن فجَّرا نفسيْهما وغيرهما كانا في حالة موت عقلي أمام مدبِّرين مجرمين استطاعوا بغياب التنوير أن ينفذوا إلي عقولهم ويبرمجوها كيفما يشاءون مستخدمين “‬الدِّينوت كنترول” لتوجيههما للقتل والدماء باسم الدين، والدين منهم براء.
يبدو الأمر في حوْج إلي وزارات معيّنة مطالبة بتغيير استراتيجيتها، اكتفت بتستيف الأنشطة علي الأوراق دون تطبيقها في الواقع، وتركت الساحة لمذاهب تحضّ علي الكراهية والقتل، لنسأل من أين جاء هؤلاء؟
نحن في حاجة إلي “‬تجديد الخطاب الدعوي” الذي لا يترك الزوايا والمساجد الصغيرة لمفتيين يأخذون أطفالنا منذ المهد إلي طريق التشدد، ويأخذون شبابنا من الوسطية إلي القتل والتعصب، مصر في حاجة إلي التفكير بديلا عن التكفير، في حاجة إلي التنوير بديلا عن التفجير.
قصتان مُوجِعتان
عندما كنتُ عميدا لكلية الآداب جاءني بمكتبي ولي أمر طالب بالفرقة الثانية وقال لي: عندما كان ابني في الثانوية كان يصحو في الصباح ويُقبِل نحوي مُقّبّلاً يديّ طالبا مني الدعاء له، وهذا ما كان يفعله مع أمه أيضا، ولكنه بعد عام عاد إلينا يكفّرني ولا يكلمني ولا يتحدث مع أفراد أسرته، ويري أن راتبي حرام وأكل أمه حرام… ثم صمت برهة ونظر إليّ قائلاً : لماذا لم تحرسوا ابني من البلاوي؟ ماذا فعلوا به؟
وأظن أن هذا السؤال في حاجة إلي إجابة، من الذي غيَّر بوصلة هذا الشاب وكيف تمَّ هذا؟ وأين ومتي؟
القصة الأخري حدثت قبل سنوات عندما اعتدي شاب (دبلوم صنايع) في قنا علي أتوبيس سياحي يقلُّ ألمانا، وقد استعين بي للترجمة في المستشفي، وكم كان المنظر مؤلما، وعندما ذهب مذيع القناة الأولي حتي يحاور أهل هذا الفتي، سأل أمه عنه، فأجابت: “‬هوَّ كان ماشي زين وعادي لغاية ما عرف “‬البلاوي” وعششوا في مخه”.
عندما أسترجع اليوم هاتين الحادثتين يستوقفني لفظ “‬البلاوي” الذي تكرر في القصتين مع طالب الجامعة ومع طالب التعليم المتوسط اللذيْن فقدا الوسطية وانحرفا نحو التشدد والقتل والتدمير، ألا نقيم ندوات ومؤتمرات مع الشباب عن “‬المعشش في المخ من البلاوي”.
رُكن ثقافي في كل حديقة
قبل عامين دعوتُ لتخصيص ركن ثقافي بالحدائق العامة الرئيسة بالمحافظات والمراكز وذلك بتحديد مائة متر ليكون بها مرسم للأطفال وكتب ومجلات للإعارة الداخلية مجانا أو للإعارة الخارجية مقابل ٥ جنيهات مهما غلا ثمن الكتاب، وله أن يرجعه وقتما يشاء ويسترد جنيهاته الخمسة أو أن يحتفظ به دوما، كما تنطلق من هذا الركن الثقافي الفِرق الموسيقية والمسرحية وفرق الفنون الشعبية وبذلك يتحول إلي منتدي الأمسيات الشعرية ليصل الأدب والإبداع والفن إلي الناس وتكون جميع الفنون المقدمة مجانا، كما يغدو وجهة للرحلات المدرسية والجامعية، وبذا نكتشف المواهب، ونرفع الذائقة الجمالية لدي الجمهور، كما أنه يكون فرصة لإخراج الكتب والمجلات المكدّسة بالمخازن حتي يفيد الناس منها.
لقد استجاب أربعة محافظين فقط، وافتتحتُ ركنا ثقافيا بإحدي حدائق محافظة القاهرة في عهد محافظها المثقف السابق الدكتور جلال سعيد، أما الباقون فلم يردّوا، هل نرسل لهم خطابا بعلم الوصول؟
متي نكرّم سهير المرشدي؟
هذه فنانة من قامات المسرح والسينما، إنها تشعرك بجمال المصريات وكأنها قادمة من سحابة تجمع سِحر نفرتيتي وجمال كيلوباترا وحكمة إيزيس، إنها تمتلك صدق الأداء وحُسن الصوت والتأثير في المتلقّي، شكرًا علي هذا العطاء ومتي تلقي التكريم التي تستحقه؟
الفنون بكلية التربية الرياضية
سعدت كثيرا بافتتاح معرض الفنون بكلية التربية الرياضية بجامعة جنوب الوادي بقنا فالطلاب اختاروا التربية الرياضية تخصصا ومع ذلك لم يبتعدوا عن تنمية مواهبهم من الفنون التي أبهرت الجميع ولعل لوحات الطالب أدهم التي أبهرت الجميع فقد جمع صدق التعبير انسجام الألوان وجرأة التعبير فتحية إلي عميد الكلية وأعضاء هيئة التدريس ورعاية الشباب الذين يؤمنون بأن الإرهاب يواجه بالفكر والإبداع والتنوير.
أغنية للحب
ولماذا تَبْغي أن تَقْتُلَني ؟
وتُسَدّدَ كلَّ سهامِكَ في قَلبي ؟
وتُخَطّط ليْلاتٍ كي تضعَ شِراكَكَ لـمَّا أَجْتازُ طريقي؟
فَأَنَا إنسانٌ مثـلُكَ
أصحو كلّ صباحٍ منتشياً بالفرحةِ والشوقِ
وأسمعُ مثلَكَ شَقْشَقْةَ الطّيرِ ؛
أغاريدَ الفرحةِ ؛
أَلْهُو مثلَك في الأرضِ
وأَزرعُ فيها وَرداً
فلماذا تزرع فيها لُغْمًا
ولماذا حين أمُدُّ يَديَّ إليكَ تشدُّ إليكَ زنادكَ فتصافحني طَلْقَةْ !!
فأنا إنسانٌ مثلُك أحلم بالحبِّ وبالأرضِ الخضراء
لماذا نبتسمُ إذا نظرَ الأطفالُ إلينا ؟
ظنُّوا الأرض جمالاً وسلاما حتي كبِروا،
أَلْفُوا الأرضَ جحيمًا وحروباً وتراثاً من حقدٍ وجماجمَ يسألنا عنها الأطفال :
لماذا قُتِلوا ؟
ولماذا خَلَّفْتُمْ جَبَلاً من إرثِ الأحقاد ؟
يفتش أطفالٌ في سِترةِ مقتولٍ لا يجدون سوي صورةِ طفلٍ منتظرٍ لأبيه !
وقصاصة شِعرٍ للزوجةِ والمحبوبةِ ؛ لا يجدون سوي نظرةِ عيْنيْنٍ لائمةٍ، سائلةٍ هذا القاتلَ : هل فكرتَ – وأنت تشدُّ زنادك – أنك تقتلُ إنساناً مثلكَ؛ يضحكُ مثلكَ؛ يبكي مثلكَ.
إنسانٌ ذو عيْنَـيْنِ وذو شفتيْن وذو حُلمٍ مثلك
إنسانٌ يشعرُ بالفرْحِ وبالخوفِ وبالحزنِ وبالحبِّ وبالناس
مَن يُدخل فرحةَ عيدٍ في قلب امرأةٍ ثكلي ؟
تنتظر الطارقَ؛ قد يأتي الولدُ المأمولُ !
وهذي أرملةٌ تنتحبُ بصمتٍ
يقتلُها التّذكارُ، تقلّبُ وسط ملابسِها : هذا فستانُ الفرْحِ
وهذي صورتُنا، فيشيرُ الطفلُ إليهِ ويسألها : ومتي سيعود أبي؟!
تنظر في عينيْه فتبصر دمعة !
كُنْ ما شئتَ ولا تكنِ القاتلَ والمقتولَ
كنِ العاشقَ والمعشوقَ
وخالفْ رأييَ بالرأيِ وليس النار
فرمادُ النارِ يخلّفُ جذوةَ حقدٍ تشتعلُ بريحٍ حمقاء
سنزرعُ من كلِّ رمادِ الأرضِ زهوراً وحقولاً من حبٍّ تمرحُ فيها الشمسُ
يغنِّي فيها الليلُ، فترقصُ أنجمهُ وبلابلهُ
ضعْ في جيبك وردةْ
من حبٍ في قلبك تنمو وتُظلّلُ سقفَ الأرض
تغنّي كلُّ البشريةِ أغنيةً لسلامِ الأرضِ وللحبّ وللإنسانْ
فأنا إنسانٌ يبحثُ فيكَ عنِ الإنسانْ
وأنا نبتُ الحبِّ بكل بقاعِ الأرضِ؛ بكلِّ زمانْ
وأنا التوراةُ أنا الإنجيلُ أنا القرآنْ
وأنا مَن كرّمَهُ الرّحمنْ
وأنا إنسانٌ يبحثُ فيكَ عن الإنسانْ!

نقلا عن جريدة أخبار اليوم “يوميات الأخبار ” يكتبها أ.د/ محمد أبو الفضل بدران

عن محمود سلامه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*