عاجل
الرئيسية / ثقافة وادب / قفطيات : الولي الكبير والفقيه الجليل “هبة الله القفطي “

قفطيات : الولي الكبير والفقيه الجليل “هبة الله القفطي “

بقلم : نور علي القفطي

هو هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل العذري، الشيخ بهاء الدين القفطي.

فريد دهره عدالًة وجلالًة، وحفظًا وفهمًا، وعلمًا وأدبًا، وسيرةً وسلوكًا، امتاز بحسن خلقه، وجمال سمته، ثاقب الذهن، متوقد الخاطر، غوَّاص على دقائق المعاني، ماهر في العربية، وافر الحظ في فروعها، متضلع من علومها، له نثر رائق، ونظم شائق، وشعر فائق، ولد وترعرع على ثرى ” قـفط ” الطيب، نهل من علم فقهائها، وتتلمذ على أيدي علمائها، وكان ميلاده في نهاية القرن السادس الهجري على اختلاف بين مؤرخي سيرته، فمنهم من قال إنه ولد في سنة 597 ه، وهناك رأي يقول في سنة 600 ه، وذهب آخرون إلى أنه ولد في بداية القرن السابع الهجري أي في عام 601ه.

كتب عنه جلُّ مؤرخي عصره، وقالوا إنه عالم جليل، وفقيه نابغ، وأديب مصقع، وولي من أولياء الله الصالحين، فهو أحد علماء مصر الأكابر في العلم والعمل، وهو ندرة الفلك الدائر، ومرشد السالك الحائر، رادع المبتدع الجائر، تعلم على يديه عشرات من فقهاء وعلماء وأدباء عصره، تعمق في دراسة أصول الفقه، وعلم النحو، والمواريث، والحديث، حتى وصل بعلمه وخلقه إلى أمانة الحكم في مدينة ” قوص ” كعبة العلم وحاضنة العلماء، ثم توجه إلى مدينة ” إسنا ” حاكمًا ومعيدًا ومدرسًا، وكان له دور عظيم في محاربة “الرافضة” وهم من الشيعة الذين يجيزون الطعن في صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، واستطاع بعلمه وثاقب ذهنه أن يهدي كثيرًا منهم ، ويعيدهم إلى جادة الصواب، وذلك بفضل ذكائه وعلمه وحب الناس لشخصه الكريم .

أساتذته :

وكان من بين أساتذته الأجلاء ابن دقيق العيد علامة مصر، والفقيه الجليل، سلطان العلماء / عز الدين عبد السلام.. قاضي قضاة مصر.

تلاميذه :

ومن بين تلاميذه ذكرت المراجع العديد من الفقهاء الذين نهلوا من علمه وارتووا من أدبه، منهم الشيخ  الإمام  / تقي الدين أبوالفتح محمد القشيري، والشيخ الزاهد / ضياء الدين جعفر بن محمد بن عبدالرحيم القنوي، وكانت تربطه علاقة قوية بالعارف بالله الشيخ / مفرج الدماميني الولي المعروف ،وصاحب الكرامات المشهورة.

مؤلفاته :

ألف شيخنا العديد من المراجع القيمة منها :

  • تفسير رائع للقرآن الكريم وصل فيه إلى ” كهيعص ” أي إلى سورة مريم.

  • شرح عمدة الطبري.

  • شرح مختصر أبي شجاع.

  • شرح الهادي في الفقه في خمسة مجلدات.

  • شرح مقدمة المطرز في النحو.

  • ألف كتابًا رائعًا فريدًا من نوعه في الفرق بين “أو” و “أم ” .

  • صنف كتابًا في أصول الفقه.

  • شرح مقدمة أصول الدين من تأليف شيخه العلامة / مجد الدين القشيري.

  • صنف في مجال الفرائض، والجبر والمقابلة والحساب والمنطق.

  • صنف كتابًا سماه ” الأنباء المستطابة في مناقب الصحابة والقرابة ” وهذا الكتاب له شهرة كبيرة، وحكي الفقيه العدل/ فخر الدين عبدالرحيم بن جرير الإسنائي ” أنه رأي النبي – صلى الله عليه وسلم – والشيخ بهاء القفطي بين يديه يقرأ عليه من هذا الكتاب، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول له: أحسنت ، أحسنت ، وحكى هذه الرؤيا للشيخ بهاء القفطي، فسر غاية السرور من هذه الرؤيا الطيبة.”

  • ألف كتابًا في الرد على الرافضة سماه ” النصائح المفترضة في فضائح الرفضة “

ويكاد يجمع مؤرخو عصره وما تلاه من عصور على أنه  ” أوحد زمانه، وفرد أوانه في العلم والأخلاق” وسنذكر هنا بعضًا من أقوال العلماء في حق هذا العالم الجليل:

  • يقول عنه العلامة المؤرخ الإدفوي: 685 ه – 748 ه

” كان محسنًا إلى الخلق ” و ” انتهت إليه رئاسة العلم في زمانه ودارت عليه الفتوى “

  • يقول العلامة الفقيه السيوطي: 849 ه – 911 ه

” برع في الفقه والأصول والنحو والفرائض والجبر والمقابلة ” و ” أخذ عنه العلم عير واحد “

  • الفقيه الجليل ابن دقيق العيد القوصي المتوفي في سنة 702 ه كان دائم الزيارة له، وكان يجله ويوقره ويقول عنه ” هو آخر الأشياخ المنتفع بعلومهم وبركتهم بذلك الإقليم “

  • العلامة الفقيه شمس الدين الداوودي المتوفى في 945ه / 1538 م يقول عنه ” أصلح الله به خلقًا، وانتفع به الناس، وتخرجت به الطلبة”

  • العلامة المؤلف الجليل الفقيه / تقي الدين السبكي (683 ه – 756 ه ) يقول : ” كان فقيهًا فاضلًا، متعبدًا، مشهور الاسم، انتهت إليه رياسة العلم في إقليمه وكان زاهدًا”

  • العلامة الكبير، والمؤلف الأشهر الإسنوي الشافعي (704 ه – 772 ه ) يقول عنه : ” برع في علوم كثيرة، وأخذ عنه الطلبة، وقصدوه من كل مكان” .

كنيته:

الكنية ما يجعل علمًا على الشخص غير الاسم واللقب، وتكون مصدرة بلفظ ” أب – ابن – بنت – أخ – أخت – عم – عمة – خال – خالة “

وتستعمل مع الاسم واللقب أو بدونهما تفخيمًا لشأن صاحبه ” وقد كان الشيخ هبة الله بن بهاء القفطي يكنى بـ ” أبي القاسم ” .

العذري :

وكان يطلق عليه ” العذري ” نسبة إلى ” بني عذرة ” قومه الذين سكن منهم الكثيرون في صعيد مصر، وهم مشهورون بشدة العشق، وكانوا يفدون إلى مصر بصورة فردية أو جماعية منذ القرن الأول الهجري، وكما جاء في ” نهاية الأرب”  قد احتفظوا ببقائهم في مصر زمنًا طويلًا، ويقول المؤرخ / عبدالله خورشيد البري : ” إن بني عذرة كانوا من الطبقة الأرستقراطية، وكانوا دائمًا في جانب الدولة، وكانوا يمثلون الاتجاه المدني المضاد للاتجاه البدوي”

وبعد :

فهذه بعض المعلومات عن العالم الجليل، والولي الزاهد الذي صنف كتبًا، وعلمَّ رجالًا، وأدب أقوامًا، وهذب نفوسًا، وهدى خلقًا إلى الطريق القويم، وترك ميراثًا علميًا تفخر به الأجيال، فحقًا كان من الرجال الشرفاء، وهذا هو الشرف الذي عناه الأديب اللوذعي المنفلوطي المتوفي في سنة 1343 ه عندما قال عن الشرف  ” لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء، لا شرف إلا الشرف الحقيقي وهو الذي يناله الإنسان ببذل حياته أو ماله أو راحته في خدمة المجتمع البشري “

وقد نال شيخنا شرف العلم، وشرف العمل، وشرف الإحسان إلى الناس جميعًا لذا فذكراه حية خالدة، وصيته الحسن يملأ الآفاق وصدق الشاعر الحكيم:

أخـــو العـــــلم حي خــالدٌ بعد مـــــــوته

وأوصــــــاله تـحــــت التــــــــراب رمـــيم

وذو الجهل ميْت وهو ماشٍ على الثـــرى

يُــظــن مــن الأحــــياء وهـــو عــــــديــم

هذه مجرد كلمة بسيطة في حق هذا العالم الزاهد الورع، الذي ملأ طباق الأرض علمًا وأدبًا، وحتى قبيل وفاته، حكت إحدى السيدات الصالحات-وهي أم قاضي أسوان، ابنة القاضي الوجيه / السمربائي – وهي امراة صالحة على حد تعبير الإدفوي – قائلة ” رأيت في النوم قائلًا يقول لي: قد مات الشافعي، فانتبهت وذكرته لبعلي قاضي إسنا، وبعد لحظة، طرقوا الباب وقالوا: مات الشيخ بهاء الدين” وبهذا ارتقت روحه إلى بارئها، ودفن جسده الطاهر في التراب وبقيت مآثره خالدة، وكانت وفاته في مدينة إسنا في سنة 697 ه، وإلى المقال التالي لنذكر مواقف عظيمة، وحكايات إنسانية رائعة تدل على سمو ونبل وخلق هذا الفقيه القفطي العظيم

ودمتم في صحة وسعادة وصفاء

وإلى لقاء أن أذن الله بلقاء .

 

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*