عاجل
الرئيسية / ثقافة وادب / قفطيات: صور إنسانية ومواقف نبيلة من حياة الفقيه الجليل \ هبة الله بن بهاء القفطي

قفطيات: صور إنسانية ومواقف نبيلة من حياة الفقيه الجليل \ هبة الله بن بهاء القفطي

بقلم : نور على القفطي

قدمنا في الحلقة السابقة قصة حياة العالم هبة الله بن بهاء القفطي وبيَّنا أنه كان أحد أعيان العلم، وأعلام الفضل، وأفراد الدهر، كان إمامًا في الأدب، مقدمًا في الفقه، مرجعًا في الفرائض، وقد تناولت سيرته أكثر كتابات المؤرخين، وقد أحصيتُ المصادر والمراجع التي اهتمت بحياته وأعماله فوجدتها زُهاء ستة عشر مصدرًا ومرجعًا تاريخيا مهمًا، وفي هذه الحلقة سنقدم مواقف تدل على مروءة هذا العالم، والتي دفعته على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات وكريم الصفات، ولا غرابة في إنسانية وسمو أخلاق هذا العالم النبيل، فهو تلميذ للعلامة الإنسان \ علي بن دقيق العيد القشيري القوصي 581 هـ \ 667 هـ ، ذلك العالم الإنسان، الذي سار شيخنا على خطاه، واقتدى بسيرته، واحتذى طريقه وكما يقولون :

” كما يكون الأستاذ يكون تلميذه “

وهذه هي القدوة الحسنة والأسوة الطيبة

  • الحلم

هو الأناة وضبط النفس ويقال: حلم الشخص: تأنى وسكن عند الغضب، وأمسك نفسه عند وقوع المكروه، وكان شيخنا صاحب حلم، هادئ النفس، رابط الجأش

قسا أحد الطلبة عليه، وذلك لأن الشيخ هبة الله القفطي عَّدل جماعة من الطلبة ( أي زكاهم أو غير وضعهم) فسأله ذلك الطالب أن يلحقه بهم في التعديل، فتوقف الشيخ، فقال له الطالب : سيدنا لم لا عدلتني؟ما بقي ممن لا عدلته في المدرسة إلا ثور المدرسة ! ( انظر إلى هذا التهكم من عالم في حجم هبة الله القفطي )  فعز على الشيخ ومع ذلك عفا عنه، ولم يؤاخده.

وصدق الله العظيم حين امتدح هؤلاء الرجال أصحاب النهي فقال ” والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ”  آل عمران 134

وصدق القائل الحكيم :

وإذا المسىء جنى عليك جناية .. .. فاقتله بالمعروف لا بالمنكر

أحسن إليه إذا أساء فأنتما .. .. من ذي الجلال بمسمع وبمنظر

وهكذا يكون الكبار علمًا وخلقًا

  • إنسانية عالمنا الجليل :

كان شيخنا إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، خيرًا بطبعه، مكرمًا لإخوانه في الإنسانية،  رحيمًا بهم، محبًا لمحسنهم، متجاوزًا عن مسيئهم، يفعل ما فيه الخير للبشر ” آسى عليه أحدهم وهو في مجلس الحكم فحبسه، ثم طلع الشيخ إلى سطح منزله، فرقد على تخت، وتحته نَّطْع، وكانت ليلة حارة فتقلب من شدة الحر، ثم قام على السطح، وصاح : أبصروا إلي فلانًا، فأحضر إليه فقال له الشيخ: اطلق سراح فلان من الحبس، فلما أصبح سأل الناس الشيخ عن السبب في إطلاقه من محبسه، فقال لهم: صعدت السطح، وتحتي نطع، فصرت اتقلب من شدة الحر، فقلت : كيف يكون حال ذلك الشخص ؟

هكذا تكون النفوس الكبيرة، فهي لا تعرف الانتقام ولا التشفي ولا الحقد، لأنها نشأت على التسامح وكما يقول الفيلسوف الأديب والعالم\ أبوحيان التوحيدي 310 هـ – 414 هـ  ” من عاشر الناس بالمسامحة زاد استمتاعه بهم ” وصدق الإمام الشافعي 150 هـ – 204 هـ عندما قال :

لما عفوت ولم أحقد على أحد .. .. أرحت نفسي من هم العداوات

وحقًا ” التسامح هو زينة الفضائل ” وثمرة القلوب السليمة.

  • الوفاء

كان الشيخ وفيًا لأصحابه، بارًا بهم وبأبنائهم، والوفاء هو الإخلاص، والاعتراف بالجميل، وهو ضد الغدر، يقول الشاعر الحكيم :

أشدد يديك بمن بلوت وفاءه .. .. ..  إنَّ الـــوفاء من الرجال عزيز

ويقول آخر :

إن الوفاء على الكريم فضيلة  .. .. .. واللؤم مقرون بذي الإخلاف

وعن وفاء شيخنا يقول العلامة الإدفوي ” جاء الشيخ هبة الله القفطي إلى مدينة قوص، فبلغه أن الشيخ تاج الدين محمد ابن الدشناوي ينوي بيع منزله، وكان والده صاحبًا ورفيقًا للشيخ هبة الله القفطي إبان فترة التعلم على يد الشيخ مجد الدين القشيري القوصي، فأرسل إلى الشيخ تاج الدين فحضر إليه، فقال له الشيخ هبة الله القفطي : كيف تبيع منزلك ؟ وتسكن أنت وعيالك في أي مكان ؟ فقال له : ياسيدي عندي ضرورة ، وأنا مصمم على بيع المنزل، فقام الشيخ هبة الله القفطي بشرائه منه بمائة دينار ووزن له الثمن، ووقفه عليه وعلى أولاده بعده، يقول العلامة الإدفوي ” فلم يزل شيخنا فيه حتى توفى وأولاده الآن فيه”

هذه هي صفات الرجولية، وسمات النفوس النقية فما أحراناأن نقتدي بسلوك هذا العالم الجليل والفقيه النابغة .

  • الإيثار

يقول القرآن الكريم: ” ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ” سورة الحشر – 9

والإيثار في اللغة : تفضيل المرء غيره على نفسه وأن يختصه بالخير، وفي القصة التالية نجد الإيثار في أجمل صوره، وأجل معانيه من عالم وفقيه تجاه إخوانه في الإنسانية ” حضر الشيخ هبة الله القفطي مع شيخه مجد الدين القشيري إلى مصر، وكان طويًلا سمينًا، فخرج مخففا، فمُسك وجعل في الحبس، فتفقده الشيخ مجد الدين القشيري فلم يجده، فسأل عنه، وبحث حتى عرف مكانه وأرسل إليه من يخرجه من محبسه، فجاء الذي يطلقه من الحبس ونادى يابهاء الدين القفطي، فقام آخر وخرج، فما زال يخرج المحبوسون واحدًا واحدا، حتى إن الوالي قال للشيخ مجد الدين القشيري: يا سيدى أرسل من يعرفه حتى يخرجه، فأرسل من أخذه وأخرجه، فقال له الشيخ مجدالدين القشيري: لم فعلت ذلك ؟ فقال الشيخ القفطي: كنت أعرف أنني سأخرج فكاسرت ( أي تراخيت وفترت ) حتى يخرج غيري ” وهكذا يكون الإيثار في أنقى صوره.

رحم الله الشيخ هبة الله القفطي، الذي مات جسدًا، وبقي ذكرا خالدًا، ورمزًا لمكارم الأخلاق، وقدوة حسنة لمن كان له قلب يحس، وعقل يميز، وعين ترى هذه الصفات النبيلة، والخلال الكريمة، والشيم المثلى، وصدق القائل :

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم .. .. .. وعاش قوم وهم في الناس أموات

حقًا ” العظماء لا يموتون ” وشيخنا ما زال رمزًا، وقدوة طيبة رغم مرور مئات السنين على وفاته، حقًا لقد كان مدرسة في علمه وخلقه ومواقفه النبيلة، ورجولته، دمتم في صحة وسعادة وهناء

وإلى لقاء إن أذن الله بلقاء

معاني بعض الكلمات الواردة في المقال :

  • الفرائض : علم تعرف وتبين به قسمة المواريث الشرعية 

  • آسى : أحزن

  • عدَّل : بتشديد الدال : غيرَّ بما هو أولى عنده ، زكاه وعدَّه عادلًا ، أقامه وسواه

  • التخت: مكان مرتفع للجلوس أو النوم والجمع : تخوت

  • النطع : بساط من الجلد والجمع : أنطاع ونطوع .

 

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*