الرئيسية / ثقافة وادب / موسم صيد ” مراد “

موسم صيد ” مراد “

بقلم: عبد الباسط سعد عيسى

شاهدت مؤخرًا فيلم ” الأصليين” الذى كتبه أحمد مراد، وقرأت جميع رواياته عدا ” رواية 1919 ” وربما أفعل قريبًا، روايته الأخيرة “ موسم صيد الغزلان ” تتحدث عن الزمن القادم في تجربة مراد الأولى عن المستقبل الذي قدره بـعام 2040م ، فـ “نديم” بطل الرواية ذلك الملحد الداروني تقرأ على لسانه أسئلة دارت كثيرًا بعقول الأطفال والمراهقين والمفكرين، ومن المعلوم أن “داروين” رغم نظريته التي تعد ثورة قلبت الموازين وأنتجت ملحدين كـُثر يتكئون عليها في نقاشاتهم إلا أنه مات على الـ لا أدرية؛ أي لا يدري هل هناك إله أم لا.

شهوة الصيد والبحث عن اللذة قادت نديم إلى “الملاذ”، الملاذ مكان قديم يملكه “طارق” الطرف الآخر في الحبكة، هناك حيث الهلاوس، والأحلام، واخراج مخزون اللاوعي وسيلة للوصول إلى الحقائق الغائبة، الفكرة ذاتها مررنا بها في “الفيل الأزرق”، وهنا في “موسم صيد الغزلان” ما يفعله “طارق” بـ ” بنديم  في ” الملاذ” من أجواء ومعدات تأخذ عقله إلى حكايات تتعلق بحيوات سابقة لأشخاص آخرين، تكتشف معها أن محور الرواية يدور حول  التناسخ والحلول.

صورة المستقبل في الرواية تعتمد على أفكارٍ نبتت بذورها في الوقت الحاضر، فـالـربـوت “صوفيا” الذي اخترعته الصين، وأعطته السعودية الجنسية، تطور كفكرة في الرواية حتى صار كالبشري لدرجة لا يمكنك فيها التفريق بين الروبوت والبشري، صورة أظن أن مراد بالغ فيها كثيرًا، لدرجة أن يقع “نديم” في عشق الربوت “تاليا” ظنًا منه أنها بشرية، فيجتهد لصيدها.

يدافع مراد عن نفسه بين ثنايا الرواية، إذ يذكر في   التفاصيل روايته “الفيل الأزرق” التي تحولت إلى فيلم قام ببطولته “كريم عبد العزيز”، حيث اتهمه البعض بأن له علاقة بالجن والعفاريت والتعاويذ، كما يتهمه آخرون بالإلحاد كنتيجة للأفكار الذي وردت في هذه الرواية على لسان بطلها الملحد، والبطل في نظر البعض يكون الكاتب ذاته، ولكن “مراد” يسعد بذلك ويعده نجاحًا أن يتهمه الجمهور، إذ يصب في صالح مهاراته وقدرته على الإقناع من خلال حبكته.

ربما الجميل في الروايات التي تتحدث عن المستقبل، ذلك التصور الممتع الذي يرسمه لك الكاتب عنه، تعرفت في هذه الرواية على “الهولوجرام” لأول مرة، وهي تقنية التصوير التجسيمي، و”البتكوين” وهي عملة إلكترونية معروفة بين شباب الإنترنت والألعاب، و العجيب أنه منذ أيام صدر قانون يجرم التعامل بها، والعدسات الكاشفة، وأنظمة المراقبة، بيت الدعارة الذي يقدم المتعة عن طريق “المومس الآلي” وغيرها، لا يخفى علي أحد ذكاء مراد وثقافته، ولكن أحيانا أشعر أن الرواية بمثابة خشبة مسرح يستعرض عليها معلوماته.

من عادات عالم الاحياء داروين في القراءة أنه لا يُبقى أي كتاب على حاله، وإنما يُفعله، يـُخطط فيه، ويدرسه، ويبحث فيه، ويمزق ورقه، ويحتفظ ببعضه ويلقى ما تبقى منه خارج مكتبته، ربما لو فعلت مثل “داروين” فلن أخرج بصفحة واحدة من رواية مراد وإنما جمل مبعثرة هنا وهناك، تصلح كمنشورات خفيفة بموقع الفيس بوك مثل:

لكل علاقة عمر افتراضي

ساعات بنحتفظ بحد مش عايزينه ، بس عشان مش عاوزين نشوفه مع حد غيرنا

بعض المشاهد ومنها وصف الملاذ يشعرني بمشهد لفيلم هيولودي من إخراج “إيد وود” الحائز على جائزة الديك الرومي الذهبية كأسوأ مخرج على الإطلاق.

يبدو أن هذا القرن هو – وبامتياز- قرن الإلحاد وإعادة النظر في الموروثات اليقينية في نظر الكثيرين، معظم الروايات تعتمد على ذلك، ربما تعكس الواقع، وربما تفرضه، ولكن مما لا شك فيه أن ما حازته أعمال مراد الأدبية من احتفاء وحماس وتقدير إعلام التوك شـو هي أكثر مما يستحق.

 

عن صدى قفط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*